خطبة الجمعة

الإسلام دين البناء والتعمير
21 ربيع أول 1437هـ الموافق 1 يناير 2016م

awkaf-

أولا: العناصر:

  • عمارة الأرض مطلب شرعي.
  • دعوة الإسلام للبناء والتعمير.
  • إتقان العمل سبيل نهضة الأمم والشعوب.
  • نبذ الإسلام لكل مظاهر الكسل.
  • التحذير من التخريب والإفساد في الأرض.

ثانيا: الأدلة:

   من القرآن الكريم:

  • قال تعالى:{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(هود: 61) .
  • وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك :15] .
  • وقال تعالى:{ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}[ المزمل:20].
  • وقال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105].
  • وقال تعالى:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف: 56] .
  • وقال تعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[المائدة:33].

من السنة النبوية:

  • عن المقدام (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ » [رواه البخاري] .
  • وعن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من أمسى كالاَّ من عمل يديه أمسى مغفورًا له) [المعجم الأوسط].
  • وعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» [رواه البخاري] .
  • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ” (صحيح البخاري).
  • وعن أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَليغرسها» (رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد ).
  • وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَفِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ»[رواه الطبراني].
  • وعَنْ أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ »[رواه مسلم] .

ثالثا: الموضوع:

لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، وكرمه وفضله على سائر خلقه ، وسخر له كل ما في الكون ، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء:70 ]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}[البقرة: 29] واقتضى هذا التكريم والإنعام استخلافه في الأرض ، قال تعالى : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَة ِإِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة ً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] ، ثم حدد ربنا للإنسان مهمة عظيمة بجانب مهمة العبادة وهي مهمة إعمار هذا الكون ، واستخراج كنوزه وخاماته ، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا }[هود:61]، أي : طلب منكم عمارتها وإصلاحها ، والنظر فيما أودع فيها من خيرات وما قدر فيها من أقوات .

ولقد أمر الله عز وجل الإنسان  بالسعي والأخذ بالأسباب ، وعدم الركون إلى الخمول والكسل لتحقيق هذه الغاية ، فقال سبحانه وتعالى :{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15].

ولا يتوقف السعي والعمل على وقت معين ، بل لا بد وأن يسعى الإنسان حتى آخر نفس في حياته ، وإلى ذلك أشار الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: (إنْ قَامَت السَّاعةُ وَفِي يَد أَحَدِكُم فَسِيلةٌ  فَإنْ استَطاعَ أنْ لَا تَقُومَ حَتى يَغرِسَهَا فَليَغِرسْهَا) (رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد ). فالإسلام دين يُقَدِّس البناء والتعمير ويدعو إليهما ،حتى وهو في وقت الشدة ، لأنهما عصب الحياة ومن أهم سبل تقدم الأمم والمجتمعات.

ولقد اهتم الإسلام بتعليم وتعلم كل ما يتم به عمارة الكون وبناؤه ، فحث الإسلام أتباعه  على الضرب في الأرض والسعي في مناكبها ، والتنقيب عن موارد الرزق في البر والبحر ، مع الحث الواضح على العمل ، ففي الحديث عَنِ المقدام (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: « مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ » [رواه البخاري] ، فالإسلام هو دعوة صريحة للعمل الذي يتحقق به التعمير والبناء فيعود بالخير على الدنيا كلها.

هذا : ولقد نظر الإسلام إلى العمل الجاد نظرة توقير وتمجيد ، فرفع قدر العمل وقيمته وجعله سبيلاً للرقي والتقدم ، وجعله عبادةً يثاب عليها فاعلها ، فقد حث القرآن الكريم من خلال آياته على السعي على المعاش والعمل ، وجاء الأمرُ بالانتشار في الأرض طلبًا للرزق الحلال بعد الأمر بالصلاة ، يقول تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة :10]، وكان سيدنا عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

ولأهمية العمل من أجل البناء والتعمير وردت في القرآن الكريم نصوص كثيرة تحدثت عن العمل ، وكذلك السنة النبوية المطهرة زاخرةٌ أيضا بنصوص تحث على الجدِّ والاجتهاد والحثِّ على العمل والبناء ، و ترك الخمول والكسل، وتبين أن العمل سبيل لحفظ ماء الوجه والرفعة والعزة والكرامة الإنسانية ، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» [رواه البخاري]، وكان سفيانُ الثوريّ (رحمه الله) يمُرُّ ببعض الناس وهم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام، فيقول: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: فما نصنَع؟! قال: اطلُبوا من فضلِ الله ، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.

ولقد بين الإسلام الحنيف أن من يسعى على كسب معاشه ورزق أولاده من حلال فهو في درجة الشهيد أو المرابط في سبيل الله ، فَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَفِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ » [رواه الطبراني].

ولم يكتف الإسلام بمجرد دعوة أصحابه إلى العمل كسبيل للبناء وإعمار الكون فحسب ، بل دعاهم – أيضًا- لإتقان العمل وإحسانه ، رجاء محبة الله تعالى ورحمته ، فعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ اللهَ (عز وجل) يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [رواه الطبراني].

إن إتقان العمل والاهتمام به والمحافظة عليه من أهم القيم والمبادئ التي دعا إليها الإسلام، وهو هدف من أهداف الدين ، يسمو به المسلم ويرقى به إلى مرضاة الله تعالى والإخلاص له، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، وإخلاص العمل لا يكون إلا بإتقانه، فلقد خلق الله عز وجل كل شيء بإتقان مُعجز ، يقول تعالى:{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل: 88]، وحثه على الإحسان والإجادة ، ونهاه عن الإفساد ، فقال تعالى: {…وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[البقرة: 195]، وقال: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 77].

ولقد دعا القرآن الكريم في كثير من آياته إلى إتقان العمل والإخلاص في أدائه طلبًا لمرضاة الله تعالى ، ونصحًا لعباده ، وخدمة وتعاونًا بين أفراد المجتمع ، ووعد على ذلك الثوابَ العظيمَ والثناء الحسن في الدنيا والآخرة ، وبيَّن أن الإنسان وهو يزاول عملًا ما  يكون تحت رقابة الله ، العليم بمكنونات الصدور وخفايا القلوب ، وأنه لا يغيب عنه مثاقيل الذر من أعمال العباد ، فهو سبحانه يسطرها لهم ويسجلها عليهم ويجازيهم بها يوم يلقونه، قال تعالى:{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[يونس:61]، فالله عز وجل هو الذي يرى الإنسان ويراقبه في عمله , يراه في مصنعه وفي مزرعته وفي متجره وفي أي مجال من مجالات سعيه وعمله , يقول تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة: 105]. فالأمر هنا كما قال المفسرون: فيه تخويف وتهديد : أي إن عملكم لا يخفى على الله ، ولا على رسوله ، ولا على المؤمنين ، فسارعوا إلى أعمال الخير ، وأخلصوا أعمالكم لله عزّ وجلّ ، وفيه أيضاً ترغيب وتنشيط ، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء أكان خيرًا أم شرًّا رغب إلى أعمال الخير ، وتجنب أعمال الشرّ ، وما أحسن قول زهير :

ومهما تكن عند امرىء من خليقة      **     وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وكذلك جاءت السنة النبوية المطهرة بالدعوة إلى إتقان العمل والبناء من أجل الوصول إلى الأفضل والأحسن والأتقن ، ففي الجانب التعبدي كالصلاة التي هي صلة بين العبد وربه ، يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، وفي قراءة القرآن : يقرؤه الماهر به الذي بشره الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأنه مع السفرة الكرام البررة ، ويأمر من يلي أمر الميت بقوله: « إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» (رواه مسلم). وعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي كُلَيْبٍ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ أَبِيهِ جَنَازَةً شَهِدَهَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ وَأَفْهَمُ ، فَانْتَهَى بِالْجَنَازَةِ إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُمْكِن لَهَا ، قَالَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « سَوُّوا لَحْدَ هَذَا » حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ: « أَمَا إِنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلَا يَضُرُّهُ ، وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِنَ » [رواه البيهقي].

فكل عمل يعمله الإنسان لابد وأن يكون حسنًا متقنًا ، وأن يراعي الله تعالى فيه ، فهو سبحانه وتعالى وحده المطلع على قلوب العباد ويحصي عليهم أعمالهم عظمت أم صغرت ، كثرت أم قلت.

أما الذي لا يتقن عمله ولا يراقب الله تعالى فيه فإنه آثم بقدر ما يتسبب فيه من ضياع الأموال وإهدار الطاقات ، فهذا الموظف الذي يقصر ويهمل ولا يتقن عمله ويرضى لنفسه أن يتقاضى أجرًا حرامًا يخاصمه فيه الشعب كله يوم القيامة ، ومن كانت هذه صفاتهم فإنهم يتحملون وزر تأخر الأمة وتخلف البلاد ، نشكوهم إلى الله تعالى ، يقول عمر (رضي الله عنه): ” إلى الله أشكو ضَعْفَ الأمين وخيانة القوي”.

ولقد حارب الإسلام كل مظاهر اليأس والكسل التي لا تساعد على البناء والتعمير ، واعتبر الكسل صفة ذميمة ، فقد ذمّ الله عزّ وجلّ الكسالى في كتابه المجيد وبين أنه من صفات المنافقين فقال :{وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى}[التوبة: 54] ، فالكسل سلبية خطيرة وآفة مهلكة تفسد الأمم والشعوب وتؤدي إلى تخلفها عن ركب الحضارات المتقدمة ، وهو داء وبيل إذا تمكن من الإنسان كاد أن يفقده إنسانيته ، قال الإمام الراغب: ” من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية ، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى” [الذريعة إلى مكارم الشريعة] ؛ لذلك استعاذ النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الكسل والتراخي ، فعن أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ » [رواه مسلم] ، وقد قرن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في استعاذته بين الكسل والعجز لأنهما قرينان فكل منهما يؤدي إلى التثاقل عن إنجاز المهمات المطلوبة من الشخص إنجازها.

فالكسل آفة قلبية وعائق نفسي يوهن الهمة ، ويضعف الإرادة ، ويقود إلى الفتور ، وهو جرثومة قاتلة ، وداء مهلك ، يعوق نهضة الأمم والشعوب ، ويمنع الأفراد من العمل الجاد والسعي النافع. وإنما عاب الإسلام الكسل وحذر منه ؛ لأن فيه تغافلا عما لا ينبغي التغافل عنه ، ولأنه يجر إلى الفتور في الأفعال مع الشعور بالسآمة أو الكراهية والعياذ بالله ، ويجعل الإنسان يكره الخير لضعف همته وقلة عزيمته ، ويجعله يفرط في الواجبات ، وهو آفة النجاح ، يفتك بكل من يصيبه ، فيجعل صاحبه إنسانًا متواكلاً عالةً على الناس عاجزًا عن تحمل مسؤولياته كإنسان ، فيمتد خطره إلى أفراد المجتمع، يقول الإمام علي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): ” التواني مفتاح البؤس ، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة، ونتجت الهلكة ، ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد ” ، فالتكاسل ليس من هدي الإسلام ولا قيمه لأن الإسلام يسعى للخير وعمارة الكون ، أما الكسالى فإنهم لا يبنون حضارة ، بل يساعدون على هدم كل الحضارات.

ومن الأمور التي حاربها الإسلام لأنها لا تؤدي إلى البناء وإعمار الكون الإفساد في الأرض والسعي في خرابها ، فالفساد في الأرض هو خلق اللئام من البشر ، لا يتخلق به إلا المنافقون الذين قال الله فيهم:{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ}[المائدة: 64]، ويقول سبحانه: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[البقرة:60].

وللفساد صور متعددة ، أخطرها ما كان باسم الدين ، فقد ابتليت الأمة بأناس يفسدون        في الأرض باسم الدين والدين منهم براء ، فيقتلون ويستبيحون الأعراض والأموال باسم الدين ، وهؤلاء ذمهم الله (عز وجل) في كتابه ، فقال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}[البقرة: 204 :206] .

إن الفسادَ بكل صوره وأنواعه يُزعزِعُ قيم البناء والتنمية ، وينشُر السلبيَّة وعدمَ الشعور بالمسؤولية، ولابد من التصدي للفساد والمفسدين ، فالتصدي له فيه نجاة للمجتمع كله ، وإهماله وعدم التصدي له فيه الهلكة للمجتمع كله ، فعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) أن رسول الله  (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كان يقول: « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا » [رواه البخاري] ، فلابد من التآزر والتعاون والتناصر والتضامن بين المسلمين وتحقيق الإيمان والأخوة الإسلامية.

   إن تطهير الأرض من المفسدين ، وتأمين الطرق والمنشآت وحمايتها من أعظم أعمال الخير  وأجل أنواع البر ، فالله (عز وجل) يدفع بالمصلحين فساد المفسدين ، قال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}[هود: 116]. فإن المفسد مِعول هدم للمجتمع، ولا نجاة للعباد إلا بمنعه من الفساد.

والأمة الإسلامية – بفضل الله تعالى- تملك الكثير من خيرات الله ، ففيها الأرض الخصبة وفيها البحار والبحيرات والأنهار العظام ، وفيها معظم المعادن التي يحتاجها العالم المعاصر ، وتملك أكبر مخزون في العالم من النفط ، إضافة إلى ما تملك من ثروات هائلة من العقول المفكرة والأيدي العاملة ؛ لذلك وجب عليها أن تستثمر ممتلكاتها وثرواتها أحسن استثمار ، وأن تستثمر أوقاتها في الخير ومنفعة الناس ، وفي سبيل النهوض الحضاري والتقدم العلمي.

فأمتنا أمة عمل لا أمة كسل ، أمة بناء لا أمة هدم أو تخريب ، أمة حضارة ، ولم يكن التخلف أبدًا سمة من سماتها ، فحري بكل مسلم يحب دينه ويعتز به أن يعمل من أجل رفعة دينه وعزة وطنه.

مكارم الأخلاق في الرسالة المحمدية
14 من ربيع أول 1437هـ الموافق 25ديسمبر2015م

awkaf

أولا: العناصر:

  1. الإسلام دين مكارم الأخلاق.
  2. انهيار الأخلاق انهيار للأمم.
  3. الأخلاق ثمرة العبادات الصحيحة.
  4. كيف نسمو بأخلاقنا؟.

ثانيا: الأدلة:

       من القرآن الكريم:

  1. قال الله تعالى : }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم{[القلم: 4] .
  2. وقال تعالى :}خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ{[الأعراف: 199].
  3. وقال تعالى:}وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{. [فصلت : 33 – 35].
  4. وقال تعالى :{وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً{[الفرقان : 63].
  5. وقال تعالى :{يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{ [لقمان: 17- 19].
  6. وقال تعالى : }اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ * وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {[العنكبوت : 45 – 46].
  7. وقال تعالى :} الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ}[البقرة: 197].
  8. وقال تعالى : } وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ {[القلم : 10 – 16].

من السنة النبوية:

  1. عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سَمْعَان الْأَنْصَارِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قال: سَأَلتٌ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَّ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ » (صحيح مسلم).
  2. وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (سنن الترمذي).
  3. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [رواه أحمد].
  4. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » [رواه الترمذي].
  5. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ » [رواه أحمد].
  6. وعَنْ سَعْد بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ – يَعْنِي عَائِشَةَ – حَدِّثِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَتْ : «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ الْقُرْآنَ» [رواه مسلم].
  7. وعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْها) قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ» [رواه أبو داود].
  8. وعَنْ جَابِرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ : «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ» [رواه الترمذي].

ثالثا: الموضوع:

لا شك أن وجوه العظمة في الدين الإسلامي متعددة ، ومن عظمته أنه دين شريعة وأخلاق ، يجمع بين القيم والمثل الإنسانية الرائعة ، التي تجسد الصورة المثلى للأخلاق الفاضلة، وتتجلى عظمة هذا الدين في شموليته لجميع جوانب الحياة , فلم يترك فضيلة من الفضائل إلا دعا إليها وحث على التمسك بها , ولم يدع في نفس الوقت أي رذيلة من الرذائل إلا نبه عليها وأمر بالابتعاد عنها .

ومن الفضائل التي دعا إليها ورغَّب فيها وحث على التخلق بها : التحلي بمكارم الأخلاق، كالصبر والحلم والرفق، والصدق والأمانة ، والرحمة والوفاء ، والكرم والحياء والتواضع، والشجاعة والعدل والإحسان ، وقضاء الحوائج ، وغض البصر وكف الأذى ، وطلاقة الوجه وطيب الكلام ، وحسن الظَّن ، وتوقير الكبير ، والإصلاح بين النَّاس ، والإيثار ، ومُراعاة مشاعر الآخرين ، وغيرها من مكارم الأخلاق. ولعل هذا ما يشير إليه قوله (عز وجل): {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .

وقد وردت بذلك نصوص الكتاب والسنة ، ومن ذلك قوله سبحانه – آمرًا رسوله (صلى الله عليه وسلم)-:}خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ{[الأعراف: 199]. وقوله تعالى:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}[البقرة : 83] ، وقوله تعالى:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاس وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء : 114]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومن تأمل آيات القرآن ، ودقق النظر فيها، ظهر له آيات كثيرة تدعو  إلى مكارم الأخلاق ، ووجوب التحلِّي بها ، وما ذلك إلا لكون الأخلاق ميزان شرعي يهذِّب الإنسان ، ويرقى به إلى مدارج الكمال.

            كما أكدت نصوص السنة النبوية المطهرة على أهمية الأخلاق في حياة الإنسان ، مبينة الأجرَ العظيم لمن تخلق بالأخلاق الفاضلة ، ومن ذلك قوله (صلَّى الله عليه وسلَّم): « الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» (رواه الإمام مسلم). والبرّ : اسم جامع لأنواع الخير . وقوله (صلَّى الله عليه وسلَّم ): « مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ في الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ »، وفي رواية : « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ » (رواه الترمذي في سننه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ).

ولقد كان (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا ما يحثُّ على مكارم الأخلاق ويرغب فيها ، فمرة يقول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِكُمْ » (مسند أحمد). وسئل (صلى الله عليه وسلم): أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا”(سنن ابن ماجه) ، ولما سُئِلَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عَنْ أَكْثَرِ مَا يدخل الناس الجنة ، قَالَ :    « تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ» (سنن الترمذي)، ثم جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) مكارم الأخلاق من أسباب محبته ، فقال: « إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا” (سنن الترمذي).

وللأخلاق في الإسلام مكانة خاصة ومنزلة عالية ، فهي لبُّ الدين وجوهره ، فقد سئل (صلى الله عليه وسلم): ما الدين ؟ قال: ” حسن الخلق” (رواه مسلم). بل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) أولاها عناية فائقة ، حيث أعلن (صلى الله عليه وسلم) أن الغاية الأولى من بعثته ورسالته إنما هي إتمام مكارم الأخلاق ، فقال (صلى الله عليه وسلم) :  ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مكارم الأَخْلاقِ) [الأدب المفرد للبخاري] ، وحتى قبل الرسالة كان الناسُ يُسمُّونَه بالصادق الأمين ، إنها الأخلاق الإسلامية الكريمة المقرونة بالإيمان الصادق ، فكان (صلى الله عليه وسلم) مثلاً أعلى في حسن الخلق ، لذا وصفه ربه بقوله :{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ{[القلم:4]. إنها لشهادةٌ عظيمةٌ من العليّ العظيم ، لنبيّه الكريم ، بعظمةِ أخلاقه وحسن خلقه ، فقد كان (صلى الله عليه وسلم) أجمع الخَلْق خُلُقا ؛ لأنه كان أجمعهم للقرآن الكريم ، يمتثلُ أوامرَه ، ويجتنبُ نواهيه ، فاجتمعت فيه الفضائلُ كلُّها ، وهذا ما أكدته أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رضي الله عنها) حين سئلت عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَتْ : « كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ».

كان (صلى الله عليه وسلم) نموذجًا عمليًّا في امتثال الأخلاق القرآنية ، فقد كان أحسن الناس خلقاً ، وأكثرهم محبة ، ورأفة ورحمة ، وحلمًا وعفوًا ، وأصدقهم حديثًا ، وأوفاهم عهدًا وذمة ، وأكرمهم عشرة ، كان مضربَ المثل في تواضعه مع أنه سيد البشر ، من رآه هابه ، ومن خالطه أحبه ، وصفته أمُ المؤمنين خديجة (رضي الله عنها) فقالت : “إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ” ، ووصفه ربه – تعالى – بقوله: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }[آل عمران : 159]، بمثل هذه الأخلاق استطاع (صلى الله عليه وسلم) أن يملك القلوب والعقول.

ولقد ربَّى النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه على مكارم الأخلاق ، وأمرهم أن يتزينوا بها ويتمسكوا بأحسنها ، حين قال لأبي ذر (رضي الله عنه): (اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن) ، فتعلموا الرفق والعفو والإحسان ، وتخلصوا من العصبية والغضب بالحلم والصفح ، وضربوا أروع الأمثلة في جمالِ الخلق وحسن المعاملة والعطاء أفرادًا وجماعاتٍ ، فلما هاجر الرسول من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وآخى بين المهاجرين والأنصار كان الأنصاري يشاطر أخاه المهاجر بنصف ماله ، فالأخلاق الإنسانية تقوم على مبدأ العطاء ، وقد أطلعنا القرآن الكريم على نماذج رائعة ليست مقصورة على أفراد معينة ، بل أصبحت صفة للمسلمين عامة ، قال تعالى:{ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر: 9].

لذلك كانوا بهذه الأخلاق سادةَ الأمم ، ومحطَّ الأنظار ، وموضعَ القدوة حين كانوا متمسكين بأخلاقِهم السامية ، كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا لما يرون من حسن المعاملة ، وجميل الأخلاق ، وحين بدأ الانحراف عن هذا المنهج القويم وساءت أخلاق الناس ؛ فُقدت القدوة وضاعت القيم ، وتبدلت المفاهيم ، وصدق الإمام مالك (رحمه الله) حين قال :      ( ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).

فالأخلاق الفاضلة هي التي تعصم المجتمعات من الانحلال، وتصونها من الفوضى والضياع، فسلامة الأمة وقوة بنيانها، وسمو مكانتها وعزة أبنائها، بتمسكها بالأخلاق الفاضلة ، كما أن شيوع الانحلال والرذيلة نتيجة لنبذ الأخلاق والأفعال الحميدة.

صَـلاحُ أَمـــــــــــــرِكَ لِـلأَخـلاقِ مَرجِـعُـهُ

فَقَـوِّمِ النَـفـسَ بِـالأَخــــــــــــلاقِ تَستَـقِـمِ
وَالنَفسُ مِن خَيرِهـا فـي خَيـــــرِ عافِيَـةٍ

وَالنَفسُ مِن شَرِّهـا فـي مَرتَـعٍ وَخِـــــمِ

لذا كان التحذير من انهيار الأخلاق وتردِّيها ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا » (المستدرك للحاكم) ، والسَّفْسَافُ : الْأَمْرُ الْحَقِيرُ ، وَالرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضِدُّ الْمَعَالِي وَالْمَكَارِمِ.

فبالأخلاق تحيا الأمم وتبقى آثارها خالدة ، وبزوالها وانهيارها تنهار الأمم وتسقط ، فكم من حضارات انهارت ، لا بسبب اقتصادها ، أو قوتها العسكرية – فحسب- ، وإنما بتردي أخلاقها ، و يقول الشاعر:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ  

فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

وإذا تأملنا العبادات في القرآن والسنة وجدنا أن من أهم مقاصدها : تهذيب سلوك المسلم وتزكية أخلاقه ، فما من عبادة شرعها الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج إلا ولها أثر يظهر على سلوك الفرد في السمو الأخلاقي ، بل يتعدى هذا الأثر من الفرد إلى المجتمع ، فإن الإسلام ليس طقوسًا جوفاء تؤدى في المسجد ولا علاقة لها بالواقع ، فيخرج المصلي بعدها ليغش ويحتكر ، ويؤذي جاره ، وإنما العبادات شرعت في جميع الأديان لترتقي بالإنسان ، وتسمو بأخلاقه ، ففريضة الصلاة أبان الله – تعالى – الحكمة من إقامتها ، فقال تعالى:}اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُون{[العنكبوت : 45]. فالإبعاد عن الرذائل ، والتطهر من سوء القول والعمل ، هو حقيقة الصلاة ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم): « قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ الصَّلاةَ مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي ، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي ، وَلَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَتِي ، وَقَطَعَ نَهَارَهُ فِي ذِكْرِي ، وَرَحِمَ الْمِسْكِينَ، وَابن السَّبِيلِ وَالأَرْمَلَةَ ، وَرَحِمَ الْمُصَابَ » ]رواه البزار[. وعن ابن مسعود (رضي الله عنه): ” من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهاه عن المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً” (رواه الطبراني بإسناد صحيح). فالذي لا تأمره صلاته بالبعد عن الرذائل من القول والعمل ، فإن صلاته لم تُحقق مقصداً من أهم مقاصدها.

وكذلك الزكاة ، والصيام ، والحج ، وسائر العبادات ، شرعت كلها لتزكية النفس ، والارتقاء بها إلى مكارم الأخلاق ، فقال تعالى عن الزكاة :{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[التوبة :103]. ومن أجل ذلك وسَّع النبي (صلى الله عليه وسلم) في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم) : « تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ تُكْتَبُ لَكَ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتُكَ الشَّوْكَةَ وَالْحَجَرَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَإِرْشَادُكَ الضَّالَّ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ » ]رواه البزار[.

وفريضة الصوم عبادة من العبادات التي فرضها الله على عباده من أجل تحقيق التقوى ، فالثمرة والغاية التي يريدها ربنا سبحانه من الصيام هي تقوى الله (عز وجل) ، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة : 183]. فمن خلال الصيام تتقوى إرادة المسلم، ويتعود على ضبط أخلاقه وشهواته. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: « الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ»]رواه البخاري[.أي ينبغي أن يعصمه صومه عن الأخلاق السيئة وعن الرذائل ، فالصوم لابد وأن يترك أثرا في سلوك المسلم وتهذيب أخلاقه.

وقال تعالى عن فريضة الحج :{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ »،]رواه مسلم[.

فالعبادة لابد وأن تترك أثرًا إيجابيًّا يعود على الفرد والمجتمع ، فإذا لم تؤثر هذه العبادة في خلق الإنسان وتهذيب سلوكه فلا قيمة لها ولا ثمرة لها في الآخرة ، لأن سوء الخلق يأكل تلك العبادات وتلك الحسنات كما تأكل النار الحطب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: « أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ]رواه الترمذي[، ولما سئل (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا ، وَصِيَامِهَا ، وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»]رواه أحمد[.

إن مكارم الأخلاق تشمل كافة المخلوقات ، فلا فرق بين مسلم وغيره ، إنما الجميع أخوة في الإنسانية ، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[الإسراء:70]، ولما قام النَّبِيَّ ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لجنازة مَرَّتْ بِهِ ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ ، قَالَ: « أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» ]رواه البخاري[. وقال تعالى : {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{[العنكبوت: 46]. وعَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ]رواه الترمذي[.

ولم تقتصر مكارم الأخلاق على البشر فحسب ، بل إن دائرة الأخلاق تشمل الحيوان أيضا، فإن الله أدخل رجلا الجنة بسبب كلب سقاه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ     (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ»]رواه البخاري[. وفي المقابل أدخل الله امرأة النار بسبب هرة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ: « عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ» قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ: «لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلاَ سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا ، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا ، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»] رواه البخاري[.

إذا أردنا أن نرتقي بأخلاقنا ومجتمعنا فلا بد من الاقتداء بالقدوة الحسنة ، فالقدوة عامل أساسيّ في تكوين الأخلاق ، قال تعالى : } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]{الأحزاب :21[، فالوالد قدوة لولده ، ولقد أخبرنا رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن المولود يولد على الفطرة النقية ، فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم تأتي القدوة فتغير فيه إلى الأحسن ، أو إلى الأسوأ ، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ … » ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ):{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ}[الروم:30]] رواه البخاري[.

وكذلك المعلم قدوة لتلاميذه بصلاحه وأخلاقه ، يتخلق الطلاب بخلقه ويقتدون به ، فقد دخلَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ ، وَمَعَهُ سِرَاجٌ الْخَادِمُ ، فَأَقْعَدَهُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ مُؤَدِّبِ أَوْلادِ الرَّشِيدِ ، فَقَالَ سِرَاجٌ لِلشَّافِعِيِّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! هَؤُلاءِ أَوْلادُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ مُؤَدِّبُهُمْ ، فَلَوْ أَوْصَيْتَهُ بِهِمْ ، فَأَقْبَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ ، فَقَالَ لَهُ : لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَبْدَأُ بِهِ مِنْ إِصْلاحِ أَوْلادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِصْلاحُ نَفْسِكَ ، فَإِنَّ أَعْينَهُمْ مَعْقُودَةٌ بِعَيْنِكَ ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُمْ مَا تَسْتَحْسِنُهُ ، وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُمْ مَا تَرَكْتَهُ …”[حلية الأولياء لأبي نعيم].

جدير بالذكر أن مكارم الأخلاق ليست قاصرة على الفرد فقط ، فهناك الأخلاق الفردية التي يلتزم بها الفرد من الأوامر والنواهي …إلخ ، والأخلاق الأسرية بين الزوجين ، وبين الأبناء والآباء ، والأقارب والأرحام …إلخ ، والأخلاق الاجتماعية داخل المجتمع في البيع والشراء والجوار والزمالة والعمل …إلخ ، والأخلاق الدولية بين الدول وبعضها ، وأخلاق الحرب والسلم.

ومن الأمور التي تساعد العبد على حسن الخلق : الإخلاص لله تعالى ، ثم الدعاء بحسن الخلق ، ثم مجاهدة النفس وشهواتها ، ثم محاسبة النفس دائما ، مع النظر إلى مآلات سوء الخلق وما يجره على الفرد والمجتمع من مفاسد.

تكريم الله للرسول (صلى الله عليه وسلم)
7 ربيع أول 1437هـ الموافق 18ديسمبر2015م

awkaf

أولاً- العناصر:

  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في بداية الخلق .
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل مولده.
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأشرف الأنساب وأحسنها.
  • مخاطبته باسمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مقرونًا بعز النبوة وشرف الرسالة.
  • وجوب محبته وطاعته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتولي الله عز وجل الدفاع عنه.
  • عموم رسالته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأنه رحمة للعالمين.

ثانيًا- الأدلة:

الأدلة من القرآن الكريم:

  • يقول الله تعالى :{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين} [آل عمران: 81].
  • ويقول تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].
  • ويقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .
  • ويقول تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
  • ويقول تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[آل عمران: 31].
  • و يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .
  • ويقول تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[سبأ: 28].
  • ويقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
  • ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56].
  • ويقول تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

الأدلة من السنة

  • عن واثِلَة بْن الأَسْقَعِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ ، وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ ». [رواه مسلم].
  • وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : «… أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَة عِيسَى قَوْمَهُ ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» (مسند أحمد).
  • وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ (رضي الله عنه) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: ( أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي ) (مجمع الزوائد للهيثمي).
  • وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ» [متفق عليه].
  • وعَنْ أَنَسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[متفق عليه].
  • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»[رواه الحاكم في المستدرك].
  • وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. [رواه البخاري].

ثالثًا الموضوع:

لقد كرم الله (عز وجل) نبيه محمداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تكريماً لم يكرمه أحداً من العالمين ، تكريم في بداية الخلق ، وتكريم قبل مولده (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، تكريم بعد مولده (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حياته ، وتكريم بعد وفاته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

فأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في بداية الخلق : فرفع الله ذكره في الأولين والآخرين ، فما من نبي بعثه الله – تعالى- قبله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلا وقد أخذ  عليه العهد والميثاق إذا ما أدركه رسول الله أن يؤمن به ، وأن ينصره ، قال ربنا سبحانه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين} [آل عمران: 81]. فزاد الله – تعالى – هذا الميثاق تشريفاً وتعظيماً حيث شهد عليه سبحانه مع أنبيائه.

وبشَّر به الأنبياء السابقين ، ففي الحديث الشريف عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : «… أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَة عِيسَى قَوْمَهُ ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» (مسند أحمد) ، فدعوة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) في قوله تعالى : {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] ، وبشارة عيسى (عليه السلام) في قوله سبحانه : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6].

 وأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل مولده ، فبتسميته محمداً ، فَكَانَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ تُحَدِّثُ أَنَّهَا حِينَ حَمَلَتْ بالرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سمعت من يقول لَهَا : إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ على الْأَرْضِ فَقُولِي: أُعِيذُه بالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثم َسَمِّيهِ مُحَمَّدًا ، فَإِنَّ اسْمَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَحْمَدُ، يَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، وَاسْمُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَحْمَدُ يَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ وَاسْمُهُ فِي الْقُرْآنِ مُحَمَّدٌ فَسَمِّيهِ بِذَلِكَ) (شعب الإيمان للبيهقي).

ومن ذلك: شرف نسبه:  فهو (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أشرف الناس نسبا ، ومما ورد في ذلك: قوله سبحانه وتعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين}[ الشعراء : 219 ] ، قال ابن عباس : أي في أصلاب الآباء ، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا (تفسير ابن كثير). فهو من أشرف الأنساب ، وأكرم بيوتات العرب ، صانه الله من سفاح الجاهلية ، ونقله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة جيلاً بعد جيل ، فاصطفى من ولد إسماعيل كنانة ، ومن كنانة قريش ، ومن قريش بني هاشم فهو (صلى الله عليه وسلم) خيار من خيار من خيار. وعن واثِلَة بْنِ الأَسْقَعِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ ». [رواه مسلم].

وأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حياته ، فقد رفع ذكره في الدنيا والآخرة ، فلا يذكر الله تعالى إلا ذكر معه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وصدق الله تعالى حيث قال : {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ (رضي الله عنه) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: ( أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي ) (مجمع الزوائد للهيثمي).

فقرن الله تعالى اسمه باسمه في كثير من الأمور ، فلا يقبل إسلام امرئ حتى يشهد له بالرسالة بعد أن يشهد لربه بالوحدانية ، قال حسان بن ثابت (رضي الله عنه) :

وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ  ***  إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

وشقّ لهُ منِ اسمهِ ليجلهُ          ***  فذو العرشِ محمودٌ ، وهذا محمدُ

فهو (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يذكر بذكر ربه في الشهادتين ، وفي الآذان والإقامة ، وفي الخطب ، وفي القرآن الكريم ، فقد قرن الله تعالى طاعته بطاعته ، فقال :{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}[النساء:80]، وكان ابْنُ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يقول : ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثِ آيَاتٍ لَا يُقْبَلُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا ، أَوَّلُهَا:{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الصَّلَاةُ. وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى:{ أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}[لقمان:14] ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ قَوْله تَعَالَى:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء: 59] ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.

وكذلك قرن الله تعالى بيعته ببيعته ، فقال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10]. وجعل طاعته علامة للفوز بالجنة ، فقال تعالي:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71]. إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث عَنْ أَبي هريرةَ (رضي الله عنه) أنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : (كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إلاَّ مَنْ أبَى ) قيلَ : وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : ( مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى) (رواه البخاري).  وحديث عُمَر (رضي الله عنه) حين جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وقَالَ: ( إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُقَبِّلَكَ مَا قَبَّلْتكَ ) (رواه البخاري). فطاعة الله  تعالى لا تتحقق ولا تتأكد إلا بطاعة رسوله الكريم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن جعل حبه من الإيمان بالله (عز وجل) ، بل جعل الحق سبحانه وتعالى محبته من محبة الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، واتباعه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) علامة علي المحبة ، فقال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران: 31]. فمحبته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فرض لازم على كل مسلم ، ففي حديث : أَنَس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ) (متفق عليه).

بل إن الإيمان لا يكتمل في قلب العبد حتى يقدم حب النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على حب نفسه وولده والناس أجمعين بل ويقدمه على حب نفسه التي بين جنبيه ، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ » فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) : « الآنَ يَا عُمَرُ. ».[ رواه البخاري ]

ويكفي من أحب النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فضلا وشرفا أنه يحشر بصحبة حبيبه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم القيامة ، وهذا فضل ما بعده فضل ، وكرم ما بعده كرم ، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ ، وَلاَ صَلاَةٍ ، وَلاَ صَدَقَةٍ ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ : «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».[رواه البخاري].

ومن أسمى آيات التكريم للرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أنه سبحانه وتعالى لم يخاطبه باسمه المجرد كما خاطب سائر الأنبياء قبله ، فقد كان كل نبي يخاطبه ربه باسمه المجرد ، مثل قوله تعالى { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة 35]، { يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران 55] ، { يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} [هود 48]، { يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص 30]، { يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم 12] ، {يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } [طه: 11، 12] ، {يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 104، 105] ، {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } [مريم: 7].

أما خاتمهم محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فكان الخطاب إليه باللقب الدال على تكريمه وتعظيمه بعزّ النبوة وشرف الرسالة ، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] ، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] ، ليس هذا فحسب ، بل إن الله عز وجل نهى الله تعالى الأمة أن تناديه باسمه كما كانت الأمم تنادي أنبياءهم بأسمائهم ، وتوعد من يخالف ذلك بالعذاب الأليم ، فقال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور 63].

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وجوب التأسي به (صلي الله عليه وسلم) ، فقال تعالي : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:21]. وهذه الآية أصل كبير في وجوب التأسي برسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في أقواله وأفعاله وأحواله ، فهلا اقتدينا به وتأسينا بشمائله (صلى الله عليه وسلم) ؟!

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن الله (عز وجل) قد صلَّى عليه في كتابه العزيز ، وصلت عليه ملائكته ، وحثَّ المؤمنين على الصلاة عليه ، فقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56].

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أن الله تعالى تولى الدفاع عنه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بنفسه دون غيره من الأنبياء ، فقد كان كل نبي يتهمه قومه باتهامات باطلة فيدفع ذلك بنفسه ، فهذا نوح (عليه السلام) اتهمه قومه بالضلال كما يحكي القرآن ، فيقول : { قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [الأعراف : 60] فيدفع ذلك عن نفسه قائلا : { يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 61 – 62].

وهذا هود (عليه السلام) اتهمه قومه بالسفاهة والجنون والكذب إذ قالوا له : {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] فدافع عن نفسه قائلا : {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } [الأعراف :67، 68].

أما خاتم الأنبياء (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فكلما رماه قومه بالأباطيل وافتروا عليه الأكاذيب تولى الله تعالى الدفاع عنه ، فقد اتهمه قومه بأنه شاعر { بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ}[الأنبياء 5] فرد الحق عليهم في قوله تعالى : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [يس:70].

وقالوا: إنه كاهن ، يتكهن بما تمليه عليه الشياطين .. فرد الله تعالى عليهم في قوله: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ} [الطور 29] ، ويأتي القسم من الله تعالى- وما أعظمه من قسم – للدفاع عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولتأكيد صدق الوحي والقرآن ودحض اتهاماتهم وافتراءاتهم في قوله تعالى: { فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ* وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحاقة 38-43] .

وقالوا : إنه ساحر تارة ، فرد عليهم تعالى في قوله :{ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } [الذاريات: 52] ، وتارة أخرى قالوا: إنه مسحور ، فرد الله تعالى عليهم في قوله :{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان 8-9] ، قالوا: إنه مجنون .. فرد الله سبحانه وتعالى عليهم في قوله :{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون 70]، وقوله تعالى : ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم 1-4].

واتهموه بالضلال والانحراف فردَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1 – 4]. بل إنه سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظه وحمايته مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ما جاء في عموم رسالته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فلم تقتصر على جيل دون جيل أو قوم دون قوم ، فهي رسالة عامة للناس جميعًا ، فإن الله (عز وجل) بعث كل نبي لأمته خاصة وبعث نبينا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) للناس عامة ، وقد صرح القرآن الكريم بذلك ، فقال تعالي : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [سبأ: 28]. وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):        ” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ “. [رواه البخاري].

          كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تفضيله علي غيره من الأنبياء عليهم السلام. فالحق سبحانه وتعالى فضل نبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) علي سائر الأنبياء والرسل الكرام ، وهذا ما وضحه القرآن الكريم في قوله تعالى:{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ للَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ “(البقرة/253). والذي عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن المقصود بقوله تعالي: { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} هو سيدنا محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأنه هو صاحب الدرجات الرفيعة ، وصاحب المعجزة الخالدة ، المتمثلة في القرآن الكريم ، وصاحب الرسالة الجامعة لمحاسن الرسالات السماوية السابقة. وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم والترمذي ، من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: (فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ – وفي رواية البخاري: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ).

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أن الله تعالى أقسم بحياته ولم يقسم بحياة أحد من البشر ، إننا نجد أن الحق سبحانه وتعالى حين يقسم على أشياء ليؤكدها، يقسم بأشياء كثيرة ومن أجناس شتى، من جماد وحيوان وملائكة ، من أماكن وأزمنة وظواهر كونية ، لكنّا لم نر الله يقسم في القرآن ببشر مطلقاً، اللهم إلا برسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في قوله تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}[الحجر: 72] أي : بحق حياتك يا محمد إنهم لفي غفلة عمّا سينزل بهم ، إنهم لضالون في حيرة لا يعرفون لأنفسهم طريقاً ولا حقاً ولا رشداً.. ولما زعم المشركون أن الله تعالى قد قلى محمدًا وهجره أقسم الله تبارك وتعالى على أنه ما ودّعه وما قلاه ، فقال تعالى:{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}[الضحى1-5].

 فأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد وفاته ، فاختصه الله تعالى بالشفاعة العظمى يوم الدين ، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول شافع وأول مشَّفع).

ومن أعظم آيات التكريم : أن الله (عز وجل) جعله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رحمة للعالمين أجمعين ، حيث قال سبحانه : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَال23َ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» [رواه الحاكم في المستدرك]، وفي رواية :«بُعِثْتُ رَحْمَةً مُهْدَاةً».

خطورة الدعوات الهدامة وضرورة التصدي لها
لتحقيق الأمن والاستقرار
29 صفر 1437هـ الموافق 11ديسمبر 2015م

awkaf

أولا: العناصر:

  1. نعمة الأمن والاستقرار.
  2. استقرار الأوطان ضرورة شرعية ووطنية.
  3. من عوامل استقرار الأوطان.
  • حب الإنسان لوطنه.

ب – إشاعة التآلف والتعاون بين الناس.

ج – السمع والطاعة لولي الأمر في طاعة الله وخدمة الوطن.

  1. التحذير من الفتن.
  2. خطورة الدعوات الهدامة على الفرد والمجتمع.
  3. وجوب التصدي لهذه الدعوات.

ثانيا: الأدلة:

       من القرآن الكريم:

  1. قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}[البقرة: 126] .
  2. وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم:35].
  3. وقال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[الأنعام: 82].
  4. وقال تعالى:{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[قريش:1ـــ 4].
  5. وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص: 57] .
  6. وقال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[العنكبوت: 67].
  7. وقال تعالى :{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}[سبأ: 18] .
  8. وقال تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران:173].
  9. وقال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}[الأنفال:25].
  10. وقال تعالى:{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النور:19].
  11. وقال تعالى: وقال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[النساء:59].
  12. وقال تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}[النساء: 83].

  من السنة النبوية:

  1. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي).
  2. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».[رواه الترمذي].
  3. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَاقِفًا عَلَى الحَزْوَرَةِ فَقَالَ: « وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ » (مسند أحمد والترمذي). و (الحَزوَرةُ) موضع بمكة.
  4. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) لِمَكَّةَ : « مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ » (رواه الترمذي).
  5. وعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ».[رواه البخاري].
  6. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ » [رواه البخاري].
  7. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِىِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: « مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِى يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي لِذِى عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ ».[رواه مسلم]. و (عمِّية ): يقال: بكسر العين وبضمها ، وكسر الميم وتشديدها وتشديد الياء: هِيَ الْأَمر الَّذِي لَا يستبين وَجهه ، وقيل : قَوْله (تَحت راية عمية) كِنَايَة عَن جمَاعَة مُجْتَمعين على أَمر مَجْهُول لَا يعرف أَنه حق أَو بَاطِل.
  8. وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الماشي ، والماشي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الساعي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ»[متفق عليه]. وقوله: (من تشرف لها تستشرفه) يريد من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها. والتشرف: التطلع. واستعير هاهنا للإصابة بشرها ، أو أريد بها أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها.

ثالثا: الموضوع:

 إن من أجل نعم الله (عز وجل) على الإنسان نعمة الأمن والاستقرار ، فبدونها لا يهدأ للإنسان بال ، ولا تطمئن له نفسٌ ، ولا يهنأ إنسان بالحياة حتى لو أوتي الدنيا بحذافيرها ، فسعادة الدنيا ونعيمها في تحقيق الأمن والاستقرار ، ففي حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي).

فنعمة الأمن والاستقرار مطلب كل مخلوق على وجه الأرض ، طلبها إبراهيمُ (عليه السلام) لأهلِهِ وقومِهِ ، حيث قالَ:{رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[البقرة: 126] ، فإبراهيم (عليه السلام) سأل الله (عز وجل) أن يمُنَّ على مكة بالأمن والرزق ، وقدَّم الأمن على الرزق ، لأن الرزق لا تكون له لذة إذا فُقد الأمن ، فبالأمن يهنأ الإنسان ويشعر بقيمة الحياة ، فاستجاب الله لدعاء نبيه وخليله ، وجعل من مكة مستقرًّا وبلدًا آمنًا بإرادته ومشيئته ، وجعلها وطنًا للإسلام ، وذلك ببركة دعاء إبراهيم (عليه السلام) ، بل إن إبراهيم (عليه السلام) قدم نعمة الأمن على العبادة والتوحيد ، فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم: 35].

كمَا امتَنَّ اللهُ (تعالى) بهذه النعمة العظيمة علَى أهْلِ قُريشٍ ، فحبَاهُمْ برَغَدِ العيشِ فِي الحياةِ ، والأمْنِ فِي الأوطانِ ، قالَ تعالَى:{ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3، 4] .

كمَا منَّ عليهم بأن جعل لهم حرمًا آمنًا ، فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[العنكبوت: 67] ، فبالأمن والاستقرار ترتقي الأوطان ، ويستقر الناس في حياتهم ومعاشهم ، وتتقدم الأمم والمجتمعات ، وينمو ويتطور الاقتصاد ، وهذا ما بينه القرآن الكريم حين امتن الله (تعالى) على أهل سبأ بنعمة الأمن والاستقرار ، فقال تعالى : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}[سبأ: 18] ، فما تقدمت أمة من الأمم ، وما ارتقى مجتمع من المجتمعات إلا إذا ساد الأمن وعم الاستقرار بين أفراده .

إن اختلال الأمن والاستقرار يؤثر على البلاد والعباد ، حتى في العبادات – وهي الهدف الأول من خلق الإنسان – ولهذا كانت صلاة الخوف مختلفة عن صلاة الأمن في صفتها وهيئتها، والحج كذلك يشترط في وجوبه على الإنسان أمن الطريق ؛ فإذا كان الطريق غير آمن فلا يجب عليه الحج ، ومن هنا فإن العبادات لا يتأتى الإتيان بها على أكمل صورة إلا بنعمة الأمن والاستقـرار.

فإذا شاع الأمن في أمة ، واطمأن كل فرد فيها على نفسه وماله وعرضه نَعِمَ المجتمع بحياة هادئة مستقرة ، لا رعب فيها ، ولا اضطراب ، ولا قلق ، ونَعِمَ المجتمع كذلك بالتقدم والازدهار ، ومن ثمَّ فإن استقرار الأوطان ضرورة شرعية ومطلب وطني ، ومقصد عظيم من أهم مقاصد الدين العظيم.

ومن عوامل الاستقرار : أن يحب الإنسان وطنه الذي يعيش فيه بكل حرياته المشروعة ، وأن يشعر بقيمة الوطن الذي ترعرع على ثراه ، وهذا ما جسده النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عمليًّا ، حين هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، فقد علمنا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حب الأوطان وشرف الانتماء إليها ، وكان حبه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لوطنه مكة المكرمة وشعوره بقيمته هو الأساس ، رغم قسوة أهلها ، فقال متأثراً لفراقها : « وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (مسند أحمد والترمذي)، وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) لِمَكَّةَ : « مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ » (رواه الترمذي).

 ولما هاجر إلى المدينة المنورة وشرع في بناء الدولة الحديثة أراد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن يعلم أصحابه (رضوان الله تعالى عليهم) والدنيا كلها أن الأوطان لا يسعى لبنائها إلا من أحبها ، فكان من دعائه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ما جاء عن أم المؤمنين عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أشَدَّ » [رواه البخاري]. فما سأل النبي الكريم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) محبةَ الوطن إلا لتحقيق الاستقرار والطمأنينة لكل أفراده.

ومن ثمَّ وجب على الإنسان أن يحافظ على وطنه بحبه وصيانته ، والدفاع عنه ، وأن ينهض بواجباته ومسؤوليّاته نحوه ، فَلِلْوَطَنِ فِي الإِسْلامِ شَأْنٌ عَظِيمٌ ، والتَّفْرِيطُ فِي حَقِّهِ خَطَرٌ جَسِيمٌ ؛ لذلك أعلى النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من قيمة الرجل الذي يحافظ على استقرار وطنه ويضحي من أجله بأن الله (عز وجل) لا يعذبه ولا تمس النار عينه ، فالجزاء من جنس العمل ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».[رواه الترمذي] ، فحبَّ الوطن من عواملِ الاستقرارِ الأساسية لأيِّ مجتمعٍ ، فالإنسانُ إذَا أحبَّ وطنَهُ استشعَرَ مسئوليةَ المحافظةِ علَى أمنِه واستقرارِهِ ، ولاَ يستجيبُ لِمَنْ يَسْعَى لِخرابِ الأوطانِ مِنَ الأدعياءِ ، لأنَّ الإنسانَ إذَا اطمأَنَّ فِي موطنِهِ استقرَّتْ نفسُهُ وأبدَعَ فِي عملِهِ وعَظُمَ إنتاجُهُ وعطاؤُهُ.

ومِنْ عواملِ الاستقرارِ – أيضًا- : إشاعةُ التآلُفِ والتعاون بينَ الناسِ ، قالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ) (متفق عليه) ، والبعد عن الخلافِ والنِّزاعِ ، فإنَّهُ شرٌّ يَجُرُّ إلَى الْفُرْقَةِ والضياعِ ، قالَ تعالَى:{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال: 46]. فالحذرَ الحذرَ مِنَ الخلافِ والنِّزاعِ ، فإنَّهُ شرٌّ يَجُرُّ إلَى الْفُرْقَةِ والضياعِ ، والحذرَ الحذرَ مِنَ الانتماءاتِ أَوِ التحزُّبَاتِ ، فإنَّهَا شَرٌّ يُؤدِّي بالمجتمعاتِ إلَى التفكُّكِ والشتاتِ ، فيجب أن يتآلف الجميع ويتعاون لتحقيق استقرار الأوطان ، وهذا ما أمر الله (عز وجل) به فقال:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[المائدة:2].

ومن أعظم الأمور التي تساعد في تحقيق استقرار الأوطان: السمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية الله  (عز وجل) ، قال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[النساء: 59] ، فولي الأمر هو ظل الله في الأرض ، كما قال النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):                « السُّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللهُ ، وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللهُ » [رواه الطبراني والبيهقي]. وقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : « مَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا ، أَكْرَمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا  ، أَهَانَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [رواه أحمد] .

إن طاعة ولي الأمر في طاعة الله ومصلحة الوطن عقيدة يدين بها المسلم لربه ، فإن أمر بأمر أو نهى عن أمر  وجبت طاعته مالم تكن معصية لله عز وجل ، فعن أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا ، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ»[رواه البخاري]. فطاعة ولي الأمر في غير معصية الله فيها صلاح الدين والدنيا ، وعصيانه فيه فسادهما ، ومعنى (جُنَّة) أي: ستر وحجاب عن الفتن والشرور .

ومن ثمَّ فعلى المرء السمع والطاعة لولاة الأمر ، ولا يخرج على جماعة المسلمين فيفرق كلمتهم ، فعن أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: « مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِى يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي لِذِى عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَلَسْتُ مِنْهُ » [رواه مسلم].

ولعل السبب في ضرورة السمع والطاعة لأولي الأمر أن ما يترتب على معصيتهم وعدم طاعتهم من المفاسد أضعاف ما قد يحصل بالخروج عليهم ، على أن للنصح والإصلاح طرقًا ووسائل سلمية وديمقراطية متعددة ، وذلك حتى تجتمع كلمة الأمة ، ومنع الفرقة والشقاق ، وما يترتب عليهما من قتل وسفك للدماء وانتهاك للأعراض ، واعتداء على الحرمات ، وتدمير البلاد ، وضياع الأموال ، وتشتيت الشمل ، وهذا مشاهد وواضح للجميع نتيجة الفوضى التي سببها عدم السمع والطاعة لبعض ولاة الأمور.

ومن أعظم الأمور التي تهدد استقرار الوطن : إشعال الفتن التي تؤدي إلى زوال النعم ، وحلول النقم ، وقطع التواصل بين الشعوب والأمم ، وتؤدي إلى انتشار الرذيلة ، وطرد الفضيلة ، وبث روح العداوة والبغضاء ، والقضاء على روح المودة والإخاء ، فالفتن نار تأكل اليابس والأخضر ، تفرق بين المرء وأخيه ، وأمه وبنيه ، وصاحبته وبنيه ، وتؤدي إلى البعد عن طاعة رب العباد ، موقظها ملعون ، وناشرها مفتون ، تفسد الأحوال وتؤدي إلى سوء المآل ، القاتل والمقتول فيها مصيره النار وبئس القرار.

لذا كان الإسلام حريصًا أشد الحرص على وقاية المجتمع من الفتن والخوض فيها ، ووجهنا النبي الكريم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتوجيهات وقائية حال وقوع الفتن ، وعلَّم المسلم كيف يتعامل معها ويواجهها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (رضي الله عنهما) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ – أَوْ يُوشِكُ أَنْ يأتي زَمَانٌ- يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا » وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، فَقَالُوا : وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: « تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ » [رواه أبو داود]، وقوله (كيف بنا) يعني بم تأمرنا عند ذلك ؟ قال: (تأتون ما تعرفون) يعني: أَيْ مَا تَعْرِفُونَ كَوْنه حَقًّا ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ : أَيْ مَا تُنْكِرُونَ أَنَّهُ حَقّ .[عون المعبود]. و (حثالة ) بِضَم الْحَاء وَتَخْفِيف الثَّاء هِي: رَدِيء كل شَيْء وَمَا لَا خير فِيهِ.

فالله الله في الوحدة والمحافظة على الوطن ،  والحذر الحذر من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، فلقد حذرنا منها ربنا (سبحانه وتعالى) في كتابه الكريم في أكثر من موضع ، من هذه المواضع ما أخبر الله (عز وجل) به أن الفتن لو نزلت لن تفرق بين مؤيد لها أو معارض ، قال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}[الأنفال: 5 2] ، وكذا حذرنا منها النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كثيرًا ، فعن حُذَيْفَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا – أي: قبلهَا وَسكن إِلَيْهَا – نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا – الْحجر الأملس- فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا – المرباد والمربد: الَّذِي فِي لَونه ربدة: وَهِي لون بَين السوَاد والغبرة كلون النعامة – كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا – المجخي: المائل ، وَيُقَال مِنْهُ: جخى اللَّيْل: إِذا مَال ليذْهب. وَالْمعْنَى: مائلا عَن الاسْتقَامَة منكوسًا- لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ »[رواه مسلم].

وعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ ».[متفق عليه].

إن الواجب على المسلم العاقل أن يتجنب الفتن وما يثيرها ، وأن يتعامل معها بحذر ، فعن       أَنَس بْن مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلْأَنْصَارِ: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي وَمَوْعِدُكُمُ الحَوْضُ» [رواه البخاري]. و (أَثَرَةً) من الاستئثار ، أي: يُستأثَر عليكم بأمور الدنيا، ويُفضَّل غيركم عليكم، ولا يُجعَل لكم في الأمر نصيب.

إن تحاشي طريق الفتن والتحرز من الوقوع فيها شيمة المسلم الذي يحب النجاة لنفسه            في الدنيا والآخرة ، ولذلك يمتدح النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من يحتاط لنفسه ويجنبها الانغماس فيما يقع فيه الناس من الفتن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الماشي ، والماشي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الساعي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ »[متفق عليه].

والسلامة من الفتن تكون باتباع أمر الله تعالى وأمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ولزوم الجماعة وطاعة ولاة الأمر في المعروف ، وفي مصلحة الوطن ، لذا حذر الله تعالى من يخالف ذلك من أن يغمس في الفتن في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة من عذاب أليم ، يقول الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور: 63].

 فيجب أن يتعاون الجميع من أجل النهوض بهذا الوطن المبارك ، والسعي إلى رقيه بِالجِدِّ وَالاجتِهَادِ ، والحفاظ على ممتلكاته ، والتقيد بأخلاقه وقيمه ، وأنظمته وقوانينه ، حتى نرقى بأنفسنا ونحافظ على أمننا واستقرارنا ، فالمواطن الصالح هو من يبني وطنه ويعمل على استقراره ويحافظ عليه ولا يسير خلف أصحاب الهوى والمصالح الشخصية ، والدعوات الهدامة الفاسدة والذين يسعون من خلفها لخراب الوطن ونشر الفوضى ، قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران 99: 103].

ومن أعظم الفتن التي تهدد أمن واستقرار المجتمع : الدعوات الهدامة التي تصدر من مرضى القلوب وضعفاء الإيمان ، الذين لا يؤمنون بوطنهم ، أصحاب الفكر المتطرف الذين يعملون على تفكيك المجتمع وزعزعة أمنه ، وهدم بنيانه وتمزيق أوصاله ، وزلزلة أركانه وتفريق كلمته ، لا يكفون عن أساليبهم ومؤامراتهم الخبيثة التي ليس لها هدف سوى إسقاط الدولة والنيل من استقرارها.

 إن أخطر ما يهدد البلاد ويؤدي إلى الفرقة والتشاحن إساءة استخدام الدين ، والمزايدة به ، سواء بالشعارات الجوفاء أم بالخطب الرنانة ، أم بالمجادلات العقيمة التي لا تحقق نتيجة ولا تصل إلى غاية ، وقد ظهرت في أيامنا الأخيرة بعض الأصوات الشاذة والدعوات الهدامة التي تدعو بلا حياء ولا خجل إلى الإفساد في الأرض ، وسفك الدماء ، وترويع الآمنين ، وإشاعة الفاحشة ، ورب العزة (عز وجل) يقول في كتابه العزيز :{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النور:19].

هذه الدعوات الهدامة التي يسعى أصحابها لخراب المجتمع ونشر الفوضى وضياع هيبة القانون تشكل خطرًا بالغًا على الأمن القومي للأوطان ، وتعد أكبر وأهم وقود للتطرف والإرهاب ، وتعطي ذريعة لوصف المجتمع بما ليس فيه ، تلك الدعوات التي يرفعونها قد تؤدي إلى فتن عظيمة تعصف بالبلاد والعباد من قتل وتدمير وتخريب ، وزعزعة لأمن الفرد والمجتمع ، ولنا فيما حولنا من الدول التي سقطت في الفوضى عبرة ومتعظ ، وديننا الإسلامي يدعو إلى كل أمن وأمان واستقرار ، وينبذ كل عدوان وإرهاب .