:

خطورة الدعوات الهدامة وضرورة التصدي لها
لتحقيق الأمن والاستقرار
29 صفر 1437هـ الموافق 11ديسمبر 2015م

awkaf

أولا: العناصر:

  1. نعمة الأمن والاستقرار.
  2. استقرار الأوطان ضرورة شرعية ووطنية.
  3. من عوامل استقرار الأوطان.
  • حب الإنسان لوطنه.

ب – إشاعة التآلف والتعاون بين الناس.

ج – السمع والطاعة لولي الأمر في طاعة الله وخدمة الوطن.

  1. التحذير من الفتن.
  2. خطورة الدعوات الهدامة على الفرد والمجتمع.
  3. وجوب التصدي لهذه الدعوات.

ثانيا: الأدلة:

       من القرآن الكريم:

  1. قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}[البقرة: 126] .
  2. وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم:35].
  3. وقال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[الأنعام: 82].
  4. وقال تعالى:{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[قريش:1ـــ 4].
  5. وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص: 57] .
  6. وقال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[العنكبوت: 67].
  7. وقال تعالى :{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}[سبأ: 18] .
  8. وقال تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران:173].
  9. وقال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}[الأنفال:25].
  10. وقال تعالى:{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النور:19].
  11. وقال تعالى: وقال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[النساء:59].
  12. وقال تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}[النساء: 83].

  من السنة النبوية:

  1. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي).
  2. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».[رواه الترمذي].
  3. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَاقِفًا عَلَى الحَزْوَرَةِ فَقَالَ: « وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ » (مسند أحمد والترمذي). و (الحَزوَرةُ) موضع بمكة.
  4. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) لِمَكَّةَ : « مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ » (رواه الترمذي).
  5. وعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ».[رواه البخاري].
  6. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ » [رواه البخاري].
  7. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِىِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: « مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِى يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي لِذِى عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ ».[رواه مسلم]. و (عمِّية ): يقال: بكسر العين وبضمها ، وكسر الميم وتشديدها وتشديد الياء: هِيَ الْأَمر الَّذِي لَا يستبين وَجهه ، وقيل : قَوْله (تَحت راية عمية) كِنَايَة عَن جمَاعَة مُجْتَمعين على أَمر مَجْهُول لَا يعرف أَنه حق أَو بَاطِل.
  8. وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الماشي ، والماشي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الساعي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ»[متفق عليه]. وقوله: (من تشرف لها تستشرفه) يريد من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها. والتشرف: التطلع. واستعير هاهنا للإصابة بشرها ، أو أريد بها أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها.

ثالثا: الموضوع:

 إن من أجل نعم الله (عز وجل) على الإنسان نعمة الأمن والاستقرار ، فبدونها لا يهدأ للإنسان بال ، ولا تطمئن له نفسٌ ، ولا يهنأ إنسان بالحياة حتى لو أوتي الدنيا بحذافيرها ، فسعادة الدنيا ونعيمها في تحقيق الأمن والاستقرار ، ففي حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي).

فنعمة الأمن والاستقرار مطلب كل مخلوق على وجه الأرض ، طلبها إبراهيمُ (عليه السلام) لأهلِهِ وقومِهِ ، حيث قالَ:{رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[البقرة: 126] ، فإبراهيم (عليه السلام) سأل الله (عز وجل) أن يمُنَّ على مكة بالأمن والرزق ، وقدَّم الأمن على الرزق ، لأن الرزق لا تكون له لذة إذا فُقد الأمن ، فبالأمن يهنأ الإنسان ويشعر بقيمة الحياة ، فاستجاب الله لدعاء نبيه وخليله ، وجعل من مكة مستقرًّا وبلدًا آمنًا بإرادته ومشيئته ، وجعلها وطنًا للإسلام ، وذلك ببركة دعاء إبراهيم (عليه السلام) ، بل إن إبراهيم (عليه السلام) قدم نعمة الأمن على العبادة والتوحيد ، فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم: 35].

كمَا امتَنَّ اللهُ (تعالى) بهذه النعمة العظيمة علَى أهْلِ قُريشٍ ، فحبَاهُمْ برَغَدِ العيشِ فِي الحياةِ ، والأمْنِ فِي الأوطانِ ، قالَ تعالَى:{ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3، 4] .

كمَا منَّ عليهم بأن جعل لهم حرمًا آمنًا ، فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[العنكبوت: 67] ، فبالأمن والاستقرار ترتقي الأوطان ، ويستقر الناس في حياتهم ومعاشهم ، وتتقدم الأمم والمجتمعات ، وينمو ويتطور الاقتصاد ، وهذا ما بينه القرآن الكريم حين امتن الله (تعالى) على أهل سبأ بنعمة الأمن والاستقرار ، فقال تعالى : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}[سبأ: 18] ، فما تقدمت أمة من الأمم ، وما ارتقى مجتمع من المجتمعات إلا إذا ساد الأمن وعم الاستقرار بين أفراده .

إن اختلال الأمن والاستقرار يؤثر على البلاد والعباد ، حتى في العبادات – وهي الهدف الأول من خلق الإنسان – ولهذا كانت صلاة الخوف مختلفة عن صلاة الأمن في صفتها وهيئتها، والحج كذلك يشترط في وجوبه على الإنسان أمن الطريق ؛ فإذا كان الطريق غير آمن فلا يجب عليه الحج ، ومن هنا فإن العبادات لا يتأتى الإتيان بها على أكمل صورة إلا بنعمة الأمن والاستقـرار.

فإذا شاع الأمن في أمة ، واطمأن كل فرد فيها على نفسه وماله وعرضه نَعِمَ المجتمع بحياة هادئة مستقرة ، لا رعب فيها ، ولا اضطراب ، ولا قلق ، ونَعِمَ المجتمع كذلك بالتقدم والازدهار ، ومن ثمَّ فإن استقرار الأوطان ضرورة شرعية ومطلب وطني ، ومقصد عظيم من أهم مقاصد الدين العظيم.

ومن عوامل الاستقرار : أن يحب الإنسان وطنه الذي يعيش فيه بكل حرياته المشروعة ، وأن يشعر بقيمة الوطن الذي ترعرع على ثراه ، وهذا ما جسده النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عمليًّا ، حين هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، فقد علمنا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حب الأوطان وشرف الانتماء إليها ، وكان حبه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لوطنه مكة المكرمة وشعوره بقيمته هو الأساس ، رغم قسوة أهلها ، فقال متأثراً لفراقها : « وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (مسند أحمد والترمذي)، وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) لِمَكَّةَ : « مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ » (رواه الترمذي).

 ولما هاجر إلى المدينة المنورة وشرع في بناء الدولة الحديثة أراد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن يعلم أصحابه (رضوان الله تعالى عليهم) والدنيا كلها أن الأوطان لا يسعى لبنائها إلا من أحبها ، فكان من دعائه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ما جاء عن أم المؤمنين عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أشَدَّ » [رواه البخاري]. فما سأل النبي الكريم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) محبةَ الوطن إلا لتحقيق الاستقرار والطمأنينة لكل أفراده.

ومن ثمَّ وجب على الإنسان أن يحافظ على وطنه بحبه وصيانته ، والدفاع عنه ، وأن ينهض بواجباته ومسؤوليّاته نحوه ، فَلِلْوَطَنِ فِي الإِسْلامِ شَأْنٌ عَظِيمٌ ، والتَّفْرِيطُ فِي حَقِّهِ خَطَرٌ جَسِيمٌ ؛ لذلك أعلى النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من قيمة الرجل الذي يحافظ على استقرار وطنه ويضحي من أجله بأن الله (عز وجل) لا يعذبه ولا تمس النار عينه ، فالجزاء من جنس العمل ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».[رواه الترمذي] ، فحبَّ الوطن من عواملِ الاستقرارِ الأساسية لأيِّ مجتمعٍ ، فالإنسانُ إذَا أحبَّ وطنَهُ استشعَرَ مسئوليةَ المحافظةِ علَى أمنِه واستقرارِهِ ، ولاَ يستجيبُ لِمَنْ يَسْعَى لِخرابِ الأوطانِ مِنَ الأدعياءِ ، لأنَّ الإنسانَ إذَا اطمأَنَّ فِي موطنِهِ استقرَّتْ نفسُهُ وأبدَعَ فِي عملِهِ وعَظُمَ إنتاجُهُ وعطاؤُهُ.

ومِنْ عواملِ الاستقرارِ – أيضًا- : إشاعةُ التآلُفِ والتعاون بينَ الناسِ ، قالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ) (متفق عليه) ، والبعد عن الخلافِ والنِّزاعِ ، فإنَّهُ شرٌّ يَجُرُّ إلَى الْفُرْقَةِ والضياعِ ، قالَ تعالَى:{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال: 46]. فالحذرَ الحذرَ مِنَ الخلافِ والنِّزاعِ ، فإنَّهُ شرٌّ يَجُرُّ إلَى الْفُرْقَةِ والضياعِ ، والحذرَ الحذرَ مِنَ الانتماءاتِ أَوِ التحزُّبَاتِ ، فإنَّهَا شَرٌّ يُؤدِّي بالمجتمعاتِ إلَى التفكُّكِ والشتاتِ ، فيجب أن يتآلف الجميع ويتعاون لتحقيق استقرار الأوطان ، وهذا ما أمر الله (عز وجل) به فقال:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[المائدة:2].

ومن أعظم الأمور التي تساعد في تحقيق استقرار الأوطان: السمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية الله  (عز وجل) ، قال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[النساء: 59] ، فولي الأمر هو ظل الله في الأرض ، كما قال النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):                « السُّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللهُ ، وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللهُ » [رواه الطبراني والبيهقي]. وقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : « مَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا ، أَكْرَمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الدُّنْيَا  ، أَهَانَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [رواه أحمد] .

إن طاعة ولي الأمر في طاعة الله ومصلحة الوطن عقيدة يدين بها المسلم لربه ، فإن أمر بأمر أو نهى عن أمر  وجبت طاعته مالم تكن معصية لله عز وجل ، فعن أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا ، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ»[رواه البخاري]. فطاعة ولي الأمر في غير معصية الله فيها صلاح الدين والدنيا ، وعصيانه فيه فسادهما ، ومعنى (جُنَّة) أي: ستر وحجاب عن الفتن والشرور .

ومن ثمَّ فعلى المرء السمع والطاعة لولاة الأمر ، ولا يخرج على جماعة المسلمين فيفرق كلمتهم ، فعن أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: « مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِى يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي لِذِى عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَلَسْتُ مِنْهُ » [رواه مسلم].

ولعل السبب في ضرورة السمع والطاعة لأولي الأمر أن ما يترتب على معصيتهم وعدم طاعتهم من المفاسد أضعاف ما قد يحصل بالخروج عليهم ، على أن للنصح والإصلاح طرقًا ووسائل سلمية وديمقراطية متعددة ، وذلك حتى تجتمع كلمة الأمة ، ومنع الفرقة والشقاق ، وما يترتب عليهما من قتل وسفك للدماء وانتهاك للأعراض ، واعتداء على الحرمات ، وتدمير البلاد ، وضياع الأموال ، وتشتيت الشمل ، وهذا مشاهد وواضح للجميع نتيجة الفوضى التي سببها عدم السمع والطاعة لبعض ولاة الأمور.

ومن أعظم الأمور التي تهدد استقرار الوطن : إشعال الفتن التي تؤدي إلى زوال النعم ، وحلول النقم ، وقطع التواصل بين الشعوب والأمم ، وتؤدي إلى انتشار الرذيلة ، وطرد الفضيلة ، وبث روح العداوة والبغضاء ، والقضاء على روح المودة والإخاء ، فالفتن نار تأكل اليابس والأخضر ، تفرق بين المرء وأخيه ، وأمه وبنيه ، وصاحبته وبنيه ، وتؤدي إلى البعد عن طاعة رب العباد ، موقظها ملعون ، وناشرها مفتون ، تفسد الأحوال وتؤدي إلى سوء المآل ، القاتل والمقتول فيها مصيره النار وبئس القرار.

لذا كان الإسلام حريصًا أشد الحرص على وقاية المجتمع من الفتن والخوض فيها ، ووجهنا النبي الكريم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتوجيهات وقائية حال وقوع الفتن ، وعلَّم المسلم كيف يتعامل معها ويواجهها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (رضي الله عنهما) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ – أَوْ يُوشِكُ أَنْ يأتي زَمَانٌ- يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا » وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، فَقَالُوا : وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: « تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ » [رواه أبو داود]، وقوله (كيف بنا) يعني بم تأمرنا عند ذلك ؟ قال: (تأتون ما تعرفون) يعني: أَيْ مَا تَعْرِفُونَ كَوْنه حَقًّا ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ : أَيْ مَا تُنْكِرُونَ أَنَّهُ حَقّ .[عون المعبود]. و (حثالة ) بِضَم الْحَاء وَتَخْفِيف الثَّاء هِي: رَدِيء كل شَيْء وَمَا لَا خير فِيهِ.

فالله الله في الوحدة والمحافظة على الوطن ،  والحذر الحذر من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، فلقد حذرنا منها ربنا (سبحانه وتعالى) في كتابه الكريم في أكثر من موضع ، من هذه المواضع ما أخبر الله (عز وجل) به أن الفتن لو نزلت لن تفرق بين مؤيد لها أو معارض ، قال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}[الأنفال: 5 2] ، وكذا حذرنا منها النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كثيرًا ، فعن حُذَيْفَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا – أي: قبلهَا وَسكن إِلَيْهَا – نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا – الْحجر الأملس- فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا – المرباد والمربد: الَّذِي فِي لَونه ربدة: وَهِي لون بَين السوَاد والغبرة كلون النعامة – كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا – المجخي: المائل ، وَيُقَال مِنْهُ: جخى اللَّيْل: إِذا مَال ليذْهب. وَالْمعْنَى: مائلا عَن الاسْتقَامَة منكوسًا- لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ »[رواه مسلم].

وعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ ».[متفق عليه].

إن الواجب على المسلم العاقل أن يتجنب الفتن وما يثيرها ، وأن يتعامل معها بحذر ، فعن       أَنَس بْن مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلْأَنْصَارِ: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي وَمَوْعِدُكُمُ الحَوْضُ» [رواه البخاري]. و (أَثَرَةً) من الاستئثار ، أي: يُستأثَر عليكم بأمور الدنيا، ويُفضَّل غيركم عليكم، ولا يُجعَل لكم في الأمر نصيب.

إن تحاشي طريق الفتن والتحرز من الوقوع فيها شيمة المسلم الذي يحب النجاة لنفسه            في الدنيا والآخرة ، ولذلك يمتدح النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من يحتاط لنفسه ويجنبها الانغماس فيما يقع فيه الناس من الفتن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الماشي ، والماشي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الساعي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ »[متفق عليه].

والسلامة من الفتن تكون باتباع أمر الله تعالى وأمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ولزوم الجماعة وطاعة ولاة الأمر في المعروف ، وفي مصلحة الوطن ، لذا حذر الله تعالى من يخالف ذلك من أن يغمس في الفتن في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة من عذاب أليم ، يقول الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور: 63].

 فيجب أن يتعاون الجميع من أجل النهوض بهذا الوطن المبارك ، والسعي إلى رقيه بِالجِدِّ وَالاجتِهَادِ ، والحفاظ على ممتلكاته ، والتقيد بأخلاقه وقيمه ، وأنظمته وقوانينه ، حتى نرقى بأنفسنا ونحافظ على أمننا واستقرارنا ، فالمواطن الصالح هو من يبني وطنه ويعمل على استقراره ويحافظ عليه ولا يسير خلف أصحاب الهوى والمصالح الشخصية ، والدعوات الهدامة الفاسدة والذين يسعون من خلفها لخراب الوطن ونشر الفوضى ، قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران 99: 103].

ومن أعظم الفتن التي تهدد أمن واستقرار المجتمع : الدعوات الهدامة التي تصدر من مرضى القلوب وضعفاء الإيمان ، الذين لا يؤمنون بوطنهم ، أصحاب الفكر المتطرف الذين يعملون على تفكيك المجتمع وزعزعة أمنه ، وهدم بنيانه وتمزيق أوصاله ، وزلزلة أركانه وتفريق كلمته ، لا يكفون عن أساليبهم ومؤامراتهم الخبيثة التي ليس لها هدف سوى إسقاط الدولة والنيل من استقرارها.

 إن أخطر ما يهدد البلاد ويؤدي إلى الفرقة والتشاحن إساءة استخدام الدين ، والمزايدة به ، سواء بالشعارات الجوفاء أم بالخطب الرنانة ، أم بالمجادلات العقيمة التي لا تحقق نتيجة ولا تصل إلى غاية ، وقد ظهرت في أيامنا الأخيرة بعض الأصوات الشاذة والدعوات الهدامة التي تدعو بلا حياء ولا خجل إلى الإفساد في الأرض ، وسفك الدماء ، وترويع الآمنين ، وإشاعة الفاحشة ، ورب العزة (عز وجل) يقول في كتابه العزيز :{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النور:19].

هذه الدعوات الهدامة التي يسعى أصحابها لخراب المجتمع ونشر الفوضى وضياع هيبة القانون تشكل خطرًا بالغًا على الأمن القومي للأوطان ، وتعد أكبر وأهم وقود للتطرف والإرهاب ، وتعطي ذريعة لوصف المجتمع بما ليس فيه ، تلك الدعوات التي يرفعونها قد تؤدي إلى فتن عظيمة تعصف بالبلاد والعباد من قتل وتدمير وتخريب ، وزعزعة لأمن الفرد والمجتمع ، ولنا فيما حولنا من الدول التي سقطت في الفوضى عبرة ومتعظ ، وديننا الإسلامي يدعو إلى كل أمن وأمان واستقرار ، وينبذ كل عدوان وإرهاب .

ضرورة الاجتهاد الجماعي

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لقد عانت مجتمعاتنا من الفتاوى الشاذة والآراء الشاذة , ولهث بعض المحسوبين على العلماء من غير المؤهلين وغير المتخصصين ومن بعض ضعاف النفوس المتطلعين للشهرة أو الجاه أو حب الظهور , خلف كل شاذ وغريب من الآراء , ليجذبوا بذلك الأنظار إليهم , أو ليخدموا به مصالح جماعتهم وتنظيماتهم.

       ونظرًا لكثرة القضايا والمستجدات العصرية وتشعبها وتداخلها وحساسية كثير منها , وتصادم بعضها مع آراء لبعض العلماء والفقهاء المتقدمين الذين أفتوا بما يناسب عصرهم وزمانهم ومكانهم , مع جهل غير المتخصصين وغير المؤهلين وأنصاف العلماء بتحقيق المناط وتنقيحه , وإسقاط بعض الأحكام على غير مثيلها , نتيجة الجهل بالواقع والجهل بشروط القياس الصحيح , فإن الأمر قد بات أكثر إلحاحًا وضرورة لهذا الاجتهاد الجماعي.

        ومن هنا كانت دعوة فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها في افتتاح مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمدينة الأقصر تحت عنوان : ” رؤية الأئمة والعلماء لتجديد الخطاب الديني , وتفكيك الفكر المتطرف ” , إلى تبني الاجتهاد الجماعي الذي يدعى إليه كبار العلماء , من مختلف دول العالم ممن يحملون هموم الأمة ومشكلاتها ليواجهوا بشجاعة القضايا العالقة مثل قضايا الإرهاب وتحديد مفهوم دار الإسلام , والالتحاق بجماعات العنف المسلح , والخروج على المجتمع وكراهيته , واستباحة دم المواطنين بالقتل أو التفجير , أو ما كان متعلقًا بحقوق الإنسان والحرية , أم كان متعلقًا بأمور الاجتماع وأولها قضايا المرأة , وتحديد أوائل الشهور العربية بالحساب الفلكي , ومسائل الحج , وبخاصة الإحرام من جده للقادم جوًا أو بحرًا , ورمي الجمرات في سائر الأوقات , وغير ذلك مما يفرضه واجب الوطن وواجب الوقت وحاجة الناس , مع استنهاض الأمة لاستصدار فتاوى تُوجب العمل وتحرّم التقاعس والكسل , شريطة ألا يُفتى في هذه القضايا الدقيقة بفتاوى مجملة ونصوص عامة لا تنزل إلى الأرض ولا تحسم القضية ولا تغير الواقع .

      ولا شك أن هذا الاجتهاد الجماعي سيسهم بشكل كبير وواضح وبناء في القضاء على الآراء الشاذة , وعلى إزالة أسباب التطرف التي لخص مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الأخير أهمها فيما يأتي :

  1-  الانغلاق , والجمود ، والتقليد الأعمى ، وسوء الفهم  ، والوقوف عند حرفية النصّ ، والابتعاد عن فقه المقاصد والمآلات ، وعدم فهم القواعد الكلية للتشريع ، وإتاحة الفرصة لتصدر غير المؤهلين وغير المتخصصين لبعض جوانب المشهد الدعوي .

2-  متاجرة بعض الجماعات والتنظيمات بالدين , واتخاذه مطيّة لتحقيق مصالح سياسية وحزبية ، مع إيثار مصالح الجماعات والتنظيمات على المصالح العليا للدين والوطن , وغلبة التدين الشكلي والتدين السياسي على التدين الخالص لله (عز وجل) .

3-  نجاح بعض القوى الاستعمارية في استقطاب عملاء لها في كثير من الدول العربية والإسلامية ، سواء على وجه المصالح المتبادلة , والوعود الوهمية لبعض الجماعات ، أم عن طريق شراء الذمم والولاءات .

    على أن هذا الاجتهاد الجماعي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق جانب كبير من التقارب بين العلماء , ويزيل كثيرًا من أسباب الفُرْقَة والخلاف , مما يسهم – وبلا شك – في وحدة صف الأمة , ولا سيما في مواجهة الأفكار الشاذة والمنحرفة والضالة والمتطرفة .

التدين الشكلي والسياسي

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

لا شك أن ظاهرة التدين الشكلي وظاهرة التدين السياسي تعدان من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية , سواء من هؤلاء الذين يركزون على الشكل والمظهر ولو كان على حساب اللباب والجوهر , وإعطاء المظهر الشكلي الأولوية المطلقة , حتى لو لم يكن صاحب هذا المظهر على المستوى الإنساني والأخلاقي الذي يجعل منه القدوة والمثل , ذلك أن صاحب المظهر الشكلي الذي لا يكون سلوكه متسقًا مع تعاليم الإسلام يُعد أحد أهم معالم الهدم والتنفير , فإذا كان المظهر مظهر المتدينين مع ما يصاحبه من سوء المعاملات , أو الكذب , أو الغدر , أو الخيانة , أو أكل أموال الناس بالباطل , فإن الأمر هنا جد خطير , بل إن صاحبه يسلك في عداد المنافقين , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ” (صحيح البخاري) , وكذلك من يحصر التدين في باب العبادات والاجتهاد فيها مع سوء الفهم للدين والإسراف في التكفير وحمل السلاح والخروج على الناس به كما حدث من الخوارج الذين كانوا من أكثر الناس صلاة وصيامًا وقيامًا غير أنهم لم يأخذوا أنفسهم بالعلم الشرعي الكافي الذي يحجزهم عن الولوغ في الدماء فخرجوا على الناس بسيوفهم , ولو طلبوا العلم أولاً كما قال الإمام الشافعي (رحمه الله) لحجزهم عن ذلك ، فالإسلام دين رحمة قبل كل شيء وكل ما يبعدك عن الرحمة يبعدك عن الإسلام ، والعبرة بالسلوك السوي لا بمجرد القول ، وقد قالوا : حال رجل في ألف خير من كلام ألف لرجل .

       على أن العبادات كلها لا تؤتى ثمرتها إلا إذا هذَّبت سلوك وأخلاق صاحبها , فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له , يقول الحق سبحانه وتعالى : ” إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ” ( العنكبوت : 45) , ومن لم ينهه صيامه عن قول الزور فلا صيام له ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ” (صحيح البخاري) , ولا يقبل الله – عز وجل – في الزكاة والصدقات إلا المال الطيب الطاهر , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا” (صحيح مسلم) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ” (صحيح مسلم) , وقبول الحج مرهون بالنفقة الحلال وحسن السلوك , “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” , وذكر (صلى الله عليه وسلم) : ” الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ” ( صحيح مسلم ) .

      وأخطر من هذا التدين الشكلي التدين السياسي ونعني به هذا الصنف الذي يتخذ الدين وسيلة ومطية للوصول إلى السلطة من خلال استغلال العواطف الدينية وحب الناس وبخاصة العامة لدينهم , وإيهامهم بأن هدفه من الوصول إلى السلطة إنما فقط هو خدمة دين الله – عز وجل- والعمل على نصرته والتمكين له , ومع أننا لا نحكم على النوايا ولا نتدخل في أمر النيات فهي ما بين العبد وخالقه ، وكل ونيته , فإن التجربة التي عشناها والواقع الذي جربناه مع جماعة الإخوان الإرهابية ومن دار في فلكها أو تحالف معها من جماعات الإسلام السياسي , أكد لنا أمرين ، الأمر الأول : أن القضية عندهم لم تكن قضية دين على الإطلاق إنما كانت قضية صراع على السلطة بشَرَهٍ ونَهَمٍ لم نعرف لهما مثيلا وإقصاء للآخرين في عنجهية وصرف وغرور وتكبر واستعلاء ، بما نفر الناس منهم ومن سلوكهم الذي صار عبئا كبيرا على الدين , وأصبحنا في حاجة إلى جهود كبيرة لمحو هذه الصورة السلبية التي ارتسمت في أذهان كثير من الناس رابطة بين سلوك هؤلاء الأدعياء وبين الدين ، الأمر الآخر : أنهم أساءوا لدينهم وشوهوا الوجه النقي لحضارته الراقية السمحة , وأثبتوا أنهم لا أهل دين ولا أهل كفاءة , وإلا فهل من الدين أن يخون الإنسان وطنه وأن يكشف أسراره ويبيع وثائقه وأن يكون جاسوسًا عليه للمتربصين به , وهل من الدين التحريض على العنف والقتل والفساد والإفساد وتشكيل ما يسمى باللجان النوعية التي تعيث في الأرض فسادًا في عمالة وخيانة غير مسبوقة , خيانة للوطن , وعمالة لأعدائه ؟ وقد أكدت ومازلت أؤكد أن هذه الجماعة الإرهابية التي وظفت الدين لخداع الناس وتحقيق مآربها السلطوية هي على استعداد للتحالف حتى مع الشيطان لتحقيق أهدافها ومطامعها السلطوية على حساب دينها أو حساب وطنها أو حساب أمتها .