تكريم الله للرسول (صلى الله عليه وسلم)
7 ربيع أول 1437هـ الموافق 18ديسمبر2015م

awkaf

أولاً- العناصر:

  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في بداية الخلق .
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل مولده.
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأشرف الأنساب وأحسنها.
  • مخاطبته باسمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مقرونًا بعز النبوة وشرف الرسالة.
  • وجوب محبته وطاعته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتولي الله عز وجل الدفاع عنه.
  • عموم رسالته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
  • تكريمه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأنه رحمة للعالمين.

ثانيًا- الأدلة:

الأدلة من القرآن الكريم:

  • يقول الله تعالى :{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين} [آل عمران: 81].
  • ويقول تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].
  • ويقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .
  • ويقول تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
  • ويقول تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[آل عمران: 31].
  • و يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .
  • ويقول تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[سبأ: 28].
  • ويقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
  • ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56].
  • ويقول تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

الأدلة من السنة

  • عن واثِلَة بْن الأَسْقَعِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ ، وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ ». [رواه مسلم].
  • وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : «… أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَة عِيسَى قَوْمَهُ ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» (مسند أحمد).
  • وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ (رضي الله عنه) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: ( أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي ) (مجمع الزوائد للهيثمي).
  • وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ» [متفق عليه].
  • وعَنْ أَنَسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[متفق عليه].
  • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»[رواه الحاكم في المستدرك].
  • وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. [رواه البخاري].

ثالثًا الموضوع:

لقد كرم الله (عز وجل) نبيه محمداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تكريماً لم يكرمه أحداً من العالمين ، تكريم في بداية الخلق ، وتكريم قبل مولده (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، تكريم بعد مولده (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حياته ، وتكريم بعد وفاته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

فأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في بداية الخلق : فرفع الله ذكره في الأولين والآخرين ، فما من نبي بعثه الله – تعالى- قبله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلا وقد أخذ  عليه العهد والميثاق إذا ما أدركه رسول الله أن يؤمن به ، وأن ينصره ، قال ربنا سبحانه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين} [آل عمران: 81]. فزاد الله – تعالى – هذا الميثاق تشريفاً وتعظيماً حيث شهد عليه سبحانه مع أنبيائه.

وبشَّر به الأنبياء السابقين ، ففي الحديث الشريف عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ : «… أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَة عِيسَى قَوْمَهُ ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» (مسند أحمد) ، فدعوة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) في قوله تعالى : {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] ، وبشارة عيسى (عليه السلام) في قوله سبحانه : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6].

 وأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل مولده ، فبتسميته محمداً ، فَكَانَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ تُحَدِّثُ أَنَّهَا حِينَ حَمَلَتْ بالرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سمعت من يقول لَهَا : إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ على الْأَرْضِ فَقُولِي: أُعِيذُه بالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثم َسَمِّيهِ مُحَمَّدًا ، فَإِنَّ اسْمَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَحْمَدُ، يَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، وَاسْمُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَحْمَدُ يَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ وَاسْمُهُ فِي الْقُرْآنِ مُحَمَّدٌ فَسَمِّيهِ بِذَلِكَ) (شعب الإيمان للبيهقي).

ومن ذلك: شرف نسبه:  فهو (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أشرف الناس نسبا ، ومما ورد في ذلك: قوله سبحانه وتعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين}[ الشعراء : 219 ] ، قال ابن عباس : أي في أصلاب الآباء ، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا (تفسير ابن كثير). فهو من أشرف الأنساب ، وأكرم بيوتات العرب ، صانه الله من سفاح الجاهلية ، ونقله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة جيلاً بعد جيل ، فاصطفى من ولد إسماعيل كنانة ، ومن كنانة قريش ، ومن قريش بني هاشم فهو (صلى الله عليه وسلم) خيار من خيار من خيار. وعن واثِلَة بْنِ الأَسْقَعِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ ». [رواه مسلم].

وأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حياته ، فقد رفع ذكره في الدنيا والآخرة ، فلا يذكر الله تعالى إلا ذكر معه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وصدق الله تعالى حيث قال : {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ (رضي الله عنه) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: ( أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي ) (مجمع الزوائد للهيثمي).

فقرن الله تعالى اسمه باسمه في كثير من الأمور ، فلا يقبل إسلام امرئ حتى يشهد له بالرسالة بعد أن يشهد لربه بالوحدانية ، قال حسان بن ثابت (رضي الله عنه) :

وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ  ***  إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

وشقّ لهُ منِ اسمهِ ليجلهُ          ***  فذو العرشِ محمودٌ ، وهذا محمدُ

فهو (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يذكر بذكر ربه في الشهادتين ، وفي الآذان والإقامة ، وفي الخطب ، وفي القرآن الكريم ، فقد قرن الله تعالى طاعته بطاعته ، فقال :{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}[النساء:80]، وكان ابْنُ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يقول : ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثِ آيَاتٍ لَا يُقْبَلُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا ، أَوَّلُهَا:{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الصَّلَاةُ. وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى:{ أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}[لقمان:14] ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ قَوْله تَعَالَى:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء: 59] ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.

وكذلك قرن الله تعالى بيعته ببيعته ، فقال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10]. وجعل طاعته علامة للفوز بالجنة ، فقال تعالي:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71]. إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث عَنْ أَبي هريرةَ (رضي الله عنه) أنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : (كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إلاَّ مَنْ أبَى ) قيلَ : وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : ( مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى) (رواه البخاري).  وحديث عُمَر (رضي الله عنه) حين جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وقَالَ: ( إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُقَبِّلَكَ مَا قَبَّلْتكَ ) (رواه البخاري). فطاعة الله  تعالى لا تتحقق ولا تتأكد إلا بطاعة رسوله الكريم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن جعل حبه من الإيمان بالله (عز وجل) ، بل جعل الحق سبحانه وتعالى محبته من محبة الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، واتباعه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) علامة علي المحبة ، فقال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران: 31]. فمحبته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فرض لازم على كل مسلم ، ففي حديث : أَنَس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ) (متفق عليه).

بل إن الإيمان لا يكتمل في قلب العبد حتى يقدم حب النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على حب نفسه وولده والناس أجمعين بل ويقدمه على حب نفسه التي بين جنبيه ، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ » فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) : « الآنَ يَا عُمَرُ. ».[ رواه البخاري ]

ويكفي من أحب النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فضلا وشرفا أنه يحشر بصحبة حبيبه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم القيامة ، وهذا فضل ما بعده فضل ، وكرم ما بعده كرم ، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ ، وَلاَ صَلاَةٍ ، وَلاَ صَدَقَةٍ ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ : «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».[رواه البخاري].

ومن أسمى آيات التكريم للرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أنه سبحانه وتعالى لم يخاطبه باسمه المجرد كما خاطب سائر الأنبياء قبله ، فقد كان كل نبي يخاطبه ربه باسمه المجرد ، مثل قوله تعالى { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة 35]، { يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران 55] ، { يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} [هود 48]، { يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص 30]، { يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم 12] ، {يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } [طه: 11، 12] ، {يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 104، 105] ، {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } [مريم: 7].

أما خاتمهم محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فكان الخطاب إليه باللقب الدال على تكريمه وتعظيمه بعزّ النبوة وشرف الرسالة ، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] ، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] ، ليس هذا فحسب ، بل إن الله عز وجل نهى الله تعالى الأمة أن تناديه باسمه كما كانت الأمم تنادي أنبياءهم بأسمائهم ، وتوعد من يخالف ذلك بالعذاب الأليم ، فقال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور 63].

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وجوب التأسي به (صلي الله عليه وسلم) ، فقال تعالي : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:21]. وهذه الآية أصل كبير في وجوب التأسي برسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في أقواله وأفعاله وأحواله ، فهلا اقتدينا به وتأسينا بشمائله (صلى الله عليه وسلم) ؟!

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن الله (عز وجل) قد صلَّى عليه في كتابه العزيز ، وصلت عليه ملائكته ، وحثَّ المؤمنين على الصلاة عليه ، فقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56].

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أن الله تعالى تولى الدفاع عنه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بنفسه دون غيره من الأنبياء ، فقد كان كل نبي يتهمه قومه باتهامات باطلة فيدفع ذلك بنفسه ، فهذا نوح (عليه السلام) اتهمه قومه بالضلال كما يحكي القرآن ، فيقول : { قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [الأعراف : 60] فيدفع ذلك عن نفسه قائلا : { يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 61 – 62].

وهذا هود (عليه السلام) اتهمه قومه بالسفاهة والجنون والكذب إذ قالوا له : {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] فدافع عن نفسه قائلا : {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } [الأعراف :67، 68].

أما خاتم الأنبياء (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فكلما رماه قومه بالأباطيل وافتروا عليه الأكاذيب تولى الله تعالى الدفاع عنه ، فقد اتهمه قومه بأنه شاعر { بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ}[الأنبياء 5] فرد الحق عليهم في قوله تعالى : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [يس:70].

وقالوا: إنه كاهن ، يتكهن بما تمليه عليه الشياطين .. فرد الله تعالى عليهم في قوله: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ} [الطور 29] ، ويأتي القسم من الله تعالى- وما أعظمه من قسم – للدفاع عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولتأكيد صدق الوحي والقرآن ودحض اتهاماتهم وافتراءاتهم في قوله تعالى: { فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ* وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحاقة 38-43] .

وقالوا : إنه ساحر تارة ، فرد عليهم تعالى في قوله :{ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } [الذاريات: 52] ، وتارة أخرى قالوا: إنه مسحور ، فرد الله تعالى عليهم في قوله :{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان 8-9] ، قالوا: إنه مجنون .. فرد الله سبحانه وتعالى عليهم في قوله :{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون 70]، وقوله تعالى : ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم 1-4].

واتهموه بالضلال والانحراف فردَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1 – 4]. بل إنه سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظه وحمايته مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ما جاء في عموم رسالته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فلم تقتصر على جيل دون جيل أو قوم دون قوم ، فهي رسالة عامة للناس جميعًا ، فإن الله (عز وجل) بعث كل نبي لأمته خاصة وبعث نبينا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) للناس عامة ، وقد صرح القرآن الكريم بذلك ، فقال تعالي : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [سبأ: 28]. وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):        ” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ “. [رواه البخاري].

          كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تفضيله علي غيره من الأنبياء عليهم السلام. فالحق سبحانه وتعالى فضل نبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) علي سائر الأنبياء والرسل الكرام ، وهذا ما وضحه القرآن الكريم في قوله تعالى:{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ للَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ “(البقرة/253). والذي عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن المقصود بقوله تعالي: { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} هو سيدنا محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأنه هو صاحب الدرجات الرفيعة ، وصاحب المعجزة الخالدة ، المتمثلة في القرآن الكريم ، وصاحب الرسالة الجامعة لمحاسن الرسالات السماوية السابقة. وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم والترمذي ، من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: (فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ – وفي رواية البخاري: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ).

كذلك من تكريم الله لنبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أن الله تعالى أقسم بحياته ولم يقسم بحياة أحد من البشر ، إننا نجد أن الحق سبحانه وتعالى حين يقسم على أشياء ليؤكدها، يقسم بأشياء كثيرة ومن أجناس شتى، من جماد وحيوان وملائكة ، من أماكن وأزمنة وظواهر كونية ، لكنّا لم نر الله يقسم في القرآن ببشر مطلقاً، اللهم إلا برسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في قوله تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}[الحجر: 72] أي : بحق حياتك يا محمد إنهم لفي غفلة عمّا سينزل بهم ، إنهم لضالون في حيرة لا يعرفون لأنفسهم طريقاً ولا حقاً ولا رشداً.. ولما زعم المشركون أن الله تعالى قد قلى محمدًا وهجره أقسم الله تبارك وتعالى على أنه ما ودّعه وما قلاه ، فقال تعالى:{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}[الضحى1-5].

 فأما تكريم الله عز وجل لرسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد وفاته ، فاختصه الله تعالى بالشفاعة العظمى يوم الدين ، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول شافع وأول مشَّفع).

ومن أعظم آيات التكريم : أن الله (عز وجل) جعله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رحمة للعالمين أجمعين ، حيث قال سبحانه : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَال23َ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» [رواه الحاكم في المستدرك]، وفي رواية :«بُعِثْتُ رَحْمَةً مُهْدَاةً».