مكارم الأخلاق في الرسالة المحمدية
14 من ربيع أول 1437هـ الموافق 25ديسمبر2015م

awkaf

أولا: العناصر:

  1. الإسلام دين مكارم الأخلاق.
  2. انهيار الأخلاق انهيار للأمم.
  3. الأخلاق ثمرة العبادات الصحيحة.
  4. كيف نسمو بأخلاقنا؟.

ثانيا: الأدلة:

       من القرآن الكريم:

  1. قال الله تعالى : }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم{[القلم: 4] .
  2. وقال تعالى :}خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ{[الأعراف: 199].
  3. وقال تعالى:}وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{. [فصلت : 33 – 35].
  4. وقال تعالى :{وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً{[الفرقان : 63].
  5. وقال تعالى :{يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{ [لقمان: 17- 19].
  6. وقال تعالى : }اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ * وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {[العنكبوت : 45 – 46].
  7. وقال تعالى :} الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ}[البقرة: 197].
  8. وقال تعالى : } وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ {[القلم : 10 – 16].

من السنة النبوية:

  1. عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سَمْعَان الْأَنْصَارِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قال: سَأَلتٌ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَّ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ » (صحيح مسلم).
  2. وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (سنن الترمذي).
  3. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [رواه أحمد].
  4. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » [رواه الترمذي].
  5. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ » [رواه أحمد].
  6. وعَنْ سَعْد بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ – يَعْنِي عَائِشَةَ – حَدِّثِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَتْ : «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ الْقُرْآنَ» [رواه مسلم].
  7. وعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْها) قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ» [رواه أبو داود].
  8. وعَنْ جَابِرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ : «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ» [رواه الترمذي].

ثالثا: الموضوع:

لا شك أن وجوه العظمة في الدين الإسلامي متعددة ، ومن عظمته أنه دين شريعة وأخلاق ، يجمع بين القيم والمثل الإنسانية الرائعة ، التي تجسد الصورة المثلى للأخلاق الفاضلة، وتتجلى عظمة هذا الدين في شموليته لجميع جوانب الحياة , فلم يترك فضيلة من الفضائل إلا دعا إليها وحث على التمسك بها , ولم يدع في نفس الوقت أي رذيلة من الرذائل إلا نبه عليها وأمر بالابتعاد عنها .

ومن الفضائل التي دعا إليها ورغَّب فيها وحث على التخلق بها : التحلي بمكارم الأخلاق، كالصبر والحلم والرفق، والصدق والأمانة ، والرحمة والوفاء ، والكرم والحياء والتواضع، والشجاعة والعدل والإحسان ، وقضاء الحوائج ، وغض البصر وكف الأذى ، وطلاقة الوجه وطيب الكلام ، وحسن الظَّن ، وتوقير الكبير ، والإصلاح بين النَّاس ، والإيثار ، ومُراعاة مشاعر الآخرين ، وغيرها من مكارم الأخلاق. ولعل هذا ما يشير إليه قوله (عز وجل): {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .

وقد وردت بذلك نصوص الكتاب والسنة ، ومن ذلك قوله سبحانه – آمرًا رسوله (صلى الله عليه وسلم)-:}خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ{[الأعراف: 199]. وقوله تعالى:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}[البقرة : 83] ، وقوله تعالى:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاس وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء : 114]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومن تأمل آيات القرآن ، ودقق النظر فيها، ظهر له آيات كثيرة تدعو  إلى مكارم الأخلاق ، ووجوب التحلِّي بها ، وما ذلك إلا لكون الأخلاق ميزان شرعي يهذِّب الإنسان ، ويرقى به إلى مدارج الكمال.

            كما أكدت نصوص السنة النبوية المطهرة على أهمية الأخلاق في حياة الإنسان ، مبينة الأجرَ العظيم لمن تخلق بالأخلاق الفاضلة ، ومن ذلك قوله (صلَّى الله عليه وسلَّم): « الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» (رواه الإمام مسلم). والبرّ : اسم جامع لأنواع الخير . وقوله (صلَّى الله عليه وسلَّم ): « مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ في الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ »، وفي رواية : « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ » (رواه الترمذي في سننه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ).

ولقد كان (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا ما يحثُّ على مكارم الأخلاق ويرغب فيها ، فمرة يقول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِكُمْ » (مسند أحمد). وسئل (صلى الله عليه وسلم): أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا”(سنن ابن ماجه) ، ولما سُئِلَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عَنْ أَكْثَرِ مَا يدخل الناس الجنة ، قَالَ :    « تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ» (سنن الترمذي)، ثم جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) مكارم الأخلاق من أسباب محبته ، فقال: « إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا” (سنن الترمذي).

وللأخلاق في الإسلام مكانة خاصة ومنزلة عالية ، فهي لبُّ الدين وجوهره ، فقد سئل (صلى الله عليه وسلم): ما الدين ؟ قال: ” حسن الخلق” (رواه مسلم). بل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) أولاها عناية فائقة ، حيث أعلن (صلى الله عليه وسلم) أن الغاية الأولى من بعثته ورسالته إنما هي إتمام مكارم الأخلاق ، فقال (صلى الله عليه وسلم) :  ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مكارم الأَخْلاقِ) [الأدب المفرد للبخاري] ، وحتى قبل الرسالة كان الناسُ يُسمُّونَه بالصادق الأمين ، إنها الأخلاق الإسلامية الكريمة المقرونة بالإيمان الصادق ، فكان (صلى الله عليه وسلم) مثلاً أعلى في حسن الخلق ، لذا وصفه ربه بقوله :{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ{[القلم:4]. إنها لشهادةٌ عظيمةٌ من العليّ العظيم ، لنبيّه الكريم ، بعظمةِ أخلاقه وحسن خلقه ، فقد كان (صلى الله عليه وسلم) أجمع الخَلْق خُلُقا ؛ لأنه كان أجمعهم للقرآن الكريم ، يمتثلُ أوامرَه ، ويجتنبُ نواهيه ، فاجتمعت فيه الفضائلُ كلُّها ، وهذا ما أكدته أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رضي الله عنها) حين سئلت عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَتْ : « كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ».

كان (صلى الله عليه وسلم) نموذجًا عمليًّا في امتثال الأخلاق القرآنية ، فقد كان أحسن الناس خلقاً ، وأكثرهم محبة ، ورأفة ورحمة ، وحلمًا وعفوًا ، وأصدقهم حديثًا ، وأوفاهم عهدًا وذمة ، وأكرمهم عشرة ، كان مضربَ المثل في تواضعه مع أنه سيد البشر ، من رآه هابه ، ومن خالطه أحبه ، وصفته أمُ المؤمنين خديجة (رضي الله عنها) فقالت : “إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ” ، ووصفه ربه – تعالى – بقوله: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }[آل عمران : 159]، بمثل هذه الأخلاق استطاع (صلى الله عليه وسلم) أن يملك القلوب والعقول.

ولقد ربَّى النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه على مكارم الأخلاق ، وأمرهم أن يتزينوا بها ويتمسكوا بأحسنها ، حين قال لأبي ذر (رضي الله عنه): (اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن) ، فتعلموا الرفق والعفو والإحسان ، وتخلصوا من العصبية والغضب بالحلم والصفح ، وضربوا أروع الأمثلة في جمالِ الخلق وحسن المعاملة والعطاء أفرادًا وجماعاتٍ ، فلما هاجر الرسول من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وآخى بين المهاجرين والأنصار كان الأنصاري يشاطر أخاه المهاجر بنصف ماله ، فالأخلاق الإنسانية تقوم على مبدأ العطاء ، وقد أطلعنا القرآن الكريم على نماذج رائعة ليست مقصورة على أفراد معينة ، بل أصبحت صفة للمسلمين عامة ، قال تعالى:{ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر: 9].

لذلك كانوا بهذه الأخلاق سادةَ الأمم ، ومحطَّ الأنظار ، وموضعَ القدوة حين كانوا متمسكين بأخلاقِهم السامية ، كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا لما يرون من حسن المعاملة ، وجميل الأخلاق ، وحين بدأ الانحراف عن هذا المنهج القويم وساءت أخلاق الناس ؛ فُقدت القدوة وضاعت القيم ، وتبدلت المفاهيم ، وصدق الإمام مالك (رحمه الله) حين قال :      ( ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).

فالأخلاق الفاضلة هي التي تعصم المجتمعات من الانحلال، وتصونها من الفوضى والضياع، فسلامة الأمة وقوة بنيانها، وسمو مكانتها وعزة أبنائها، بتمسكها بالأخلاق الفاضلة ، كما أن شيوع الانحلال والرذيلة نتيجة لنبذ الأخلاق والأفعال الحميدة.

صَـلاحُ أَمـــــــــــــرِكَ لِـلأَخـلاقِ مَرجِـعُـهُ

فَقَـوِّمِ النَـفـسَ بِـالأَخــــــــــــلاقِ تَستَـقِـمِ
وَالنَفسُ مِن خَيرِهـا فـي خَيـــــرِ عافِيَـةٍ

وَالنَفسُ مِن شَرِّهـا فـي مَرتَـعٍ وَخِـــــمِ

لذا كان التحذير من انهيار الأخلاق وتردِّيها ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا » (المستدرك للحاكم) ، والسَّفْسَافُ : الْأَمْرُ الْحَقِيرُ ، وَالرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضِدُّ الْمَعَالِي وَالْمَكَارِمِ.

فبالأخلاق تحيا الأمم وتبقى آثارها خالدة ، وبزوالها وانهيارها تنهار الأمم وتسقط ، فكم من حضارات انهارت ، لا بسبب اقتصادها ، أو قوتها العسكرية – فحسب- ، وإنما بتردي أخلاقها ، و يقول الشاعر:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ  

فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

وإذا تأملنا العبادات في القرآن والسنة وجدنا أن من أهم مقاصدها : تهذيب سلوك المسلم وتزكية أخلاقه ، فما من عبادة شرعها الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج إلا ولها أثر يظهر على سلوك الفرد في السمو الأخلاقي ، بل يتعدى هذا الأثر من الفرد إلى المجتمع ، فإن الإسلام ليس طقوسًا جوفاء تؤدى في المسجد ولا علاقة لها بالواقع ، فيخرج المصلي بعدها ليغش ويحتكر ، ويؤذي جاره ، وإنما العبادات شرعت في جميع الأديان لترتقي بالإنسان ، وتسمو بأخلاقه ، ففريضة الصلاة أبان الله – تعالى – الحكمة من إقامتها ، فقال تعالى:}اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُون{[العنكبوت : 45]. فالإبعاد عن الرذائل ، والتطهر من سوء القول والعمل ، هو حقيقة الصلاة ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم): « قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ الصَّلاةَ مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي ، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي ، وَلَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَتِي ، وَقَطَعَ نَهَارَهُ فِي ذِكْرِي ، وَرَحِمَ الْمِسْكِينَ، وَابن السَّبِيلِ وَالأَرْمَلَةَ ، وَرَحِمَ الْمُصَابَ » ]رواه البزار[. وعن ابن مسعود (رضي الله عنه): ” من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهاه عن المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً” (رواه الطبراني بإسناد صحيح). فالذي لا تأمره صلاته بالبعد عن الرذائل من القول والعمل ، فإن صلاته لم تُحقق مقصداً من أهم مقاصدها.

وكذلك الزكاة ، والصيام ، والحج ، وسائر العبادات ، شرعت كلها لتزكية النفس ، والارتقاء بها إلى مكارم الأخلاق ، فقال تعالى عن الزكاة :{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[التوبة :103]. ومن أجل ذلك وسَّع النبي (صلى الله عليه وسلم) في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم) : « تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ تُكْتَبُ لَكَ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتُكَ الشَّوْكَةَ وَالْحَجَرَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَإِرْشَادُكَ الضَّالَّ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ » ]رواه البزار[.

وفريضة الصوم عبادة من العبادات التي فرضها الله على عباده من أجل تحقيق التقوى ، فالثمرة والغاية التي يريدها ربنا سبحانه من الصيام هي تقوى الله (عز وجل) ، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة : 183]. فمن خلال الصيام تتقوى إرادة المسلم، ويتعود على ضبط أخلاقه وشهواته. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: « الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ»]رواه البخاري[.أي ينبغي أن يعصمه صومه عن الأخلاق السيئة وعن الرذائل ، فالصوم لابد وأن يترك أثرا في سلوك المسلم وتهذيب أخلاقه.

وقال تعالى عن فريضة الحج :{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ »،]رواه مسلم[.

فالعبادة لابد وأن تترك أثرًا إيجابيًّا يعود على الفرد والمجتمع ، فإذا لم تؤثر هذه العبادة في خلق الإنسان وتهذيب سلوكه فلا قيمة لها ولا ثمرة لها في الآخرة ، لأن سوء الخلق يأكل تلك العبادات وتلك الحسنات كما تأكل النار الحطب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: « أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ]رواه الترمذي[، ولما سئل (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا ، وَصِيَامِهَا ، وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»]رواه أحمد[.

إن مكارم الأخلاق تشمل كافة المخلوقات ، فلا فرق بين مسلم وغيره ، إنما الجميع أخوة في الإنسانية ، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[الإسراء:70]، ولما قام النَّبِيَّ ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لجنازة مَرَّتْ بِهِ ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ ، قَالَ: « أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» ]رواه البخاري[. وقال تعالى : {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{[العنكبوت: 46]. وعَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ]رواه الترمذي[.

ولم تقتصر مكارم الأخلاق على البشر فحسب ، بل إن دائرة الأخلاق تشمل الحيوان أيضا، فإن الله أدخل رجلا الجنة بسبب كلب سقاه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ     (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ»]رواه البخاري[. وفي المقابل أدخل الله امرأة النار بسبب هرة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ: « عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ» قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ: «لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلاَ سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا ، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا ، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»] رواه البخاري[.

إذا أردنا أن نرتقي بأخلاقنا ومجتمعنا فلا بد من الاقتداء بالقدوة الحسنة ، فالقدوة عامل أساسيّ في تكوين الأخلاق ، قال تعالى : } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]{الأحزاب :21[، فالوالد قدوة لولده ، ولقد أخبرنا رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن المولود يولد على الفطرة النقية ، فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم تأتي القدوة فتغير فيه إلى الأحسن ، أو إلى الأسوأ ، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ … » ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ):{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ}[الروم:30]] رواه البخاري[.

وكذلك المعلم قدوة لتلاميذه بصلاحه وأخلاقه ، يتخلق الطلاب بخلقه ويقتدون به ، فقد دخلَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ ، وَمَعَهُ سِرَاجٌ الْخَادِمُ ، فَأَقْعَدَهُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ مُؤَدِّبِ أَوْلادِ الرَّشِيدِ ، فَقَالَ سِرَاجٌ لِلشَّافِعِيِّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! هَؤُلاءِ أَوْلادُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ مُؤَدِّبُهُمْ ، فَلَوْ أَوْصَيْتَهُ بِهِمْ ، فَأَقْبَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ ، فَقَالَ لَهُ : لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَبْدَأُ بِهِ مِنْ إِصْلاحِ أَوْلادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِصْلاحُ نَفْسِكَ ، فَإِنَّ أَعْينَهُمْ مَعْقُودَةٌ بِعَيْنِكَ ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُمْ مَا تَسْتَحْسِنُهُ ، وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُمْ مَا تَرَكْتَهُ …”[حلية الأولياء لأبي نعيم].

جدير بالذكر أن مكارم الأخلاق ليست قاصرة على الفرد فقط ، فهناك الأخلاق الفردية التي يلتزم بها الفرد من الأوامر والنواهي …إلخ ، والأخلاق الأسرية بين الزوجين ، وبين الأبناء والآباء ، والأقارب والأرحام …إلخ ، والأخلاق الاجتماعية داخل المجتمع في البيع والشراء والجوار والزمالة والعمل …إلخ ، والأخلاق الدولية بين الدول وبعضها ، وأخلاق الحرب والسلم.

ومن الأمور التي تساعد العبد على حسن الخلق : الإخلاص لله تعالى ، ثم الدعاء بحسن الخلق ، ثم مجاهدة النفس وشهواتها ، ثم محاسبة النفس دائما ، مع النظر إلى مآلات سوء الخلق وما يجره على الفرد والمجتمع من مفاسد.