الإسلام دين البناء والتعمير
21 ربيع أول 1437هـ الموافق 1 يناير 2016م

awkaf-

أولا: العناصر:

  • عمارة الأرض مطلب شرعي.
  • دعوة الإسلام للبناء والتعمير.
  • إتقان العمل سبيل نهضة الأمم والشعوب.
  • نبذ الإسلام لكل مظاهر الكسل.
  • التحذير من التخريب والإفساد في الأرض.

ثانيا: الأدلة:

   من القرآن الكريم:

  • قال تعالى:{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(هود: 61) .
  • وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك :15] .
  • وقال تعالى:{ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}[ المزمل:20].
  • وقال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105].
  • وقال تعالى:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف: 56] .
  • وقال تعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[المائدة:33].

من السنة النبوية:

  • عن المقدام (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ » [رواه البخاري] .
  • وعن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من أمسى كالاَّ من عمل يديه أمسى مغفورًا له) [المعجم الأوسط].
  • وعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» [رواه البخاري] .
  • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ” (صحيح البخاري).
  • وعن أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَليغرسها» (رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد ).
  • وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَفِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ»[رواه الطبراني].
  • وعَنْ أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ »[رواه مسلم] .

ثالثا: الموضوع:

لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، وكرمه وفضله على سائر خلقه ، وسخر له كل ما في الكون ، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء:70 ]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}[البقرة: 29] واقتضى هذا التكريم والإنعام استخلافه في الأرض ، قال تعالى : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَة ِإِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة ً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] ، ثم حدد ربنا للإنسان مهمة عظيمة بجانب مهمة العبادة وهي مهمة إعمار هذا الكون ، واستخراج كنوزه وخاماته ، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا }[هود:61]، أي : طلب منكم عمارتها وإصلاحها ، والنظر فيما أودع فيها من خيرات وما قدر فيها من أقوات .

ولقد أمر الله عز وجل الإنسان  بالسعي والأخذ بالأسباب ، وعدم الركون إلى الخمول والكسل لتحقيق هذه الغاية ، فقال سبحانه وتعالى :{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15].

ولا يتوقف السعي والعمل على وقت معين ، بل لا بد وأن يسعى الإنسان حتى آخر نفس في حياته ، وإلى ذلك أشار الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: (إنْ قَامَت السَّاعةُ وَفِي يَد أَحَدِكُم فَسِيلةٌ  فَإنْ استَطاعَ أنْ لَا تَقُومَ حَتى يَغرِسَهَا فَليَغِرسْهَا) (رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد ). فالإسلام دين يُقَدِّس البناء والتعمير ويدعو إليهما ،حتى وهو في وقت الشدة ، لأنهما عصب الحياة ومن أهم سبل تقدم الأمم والمجتمعات.

ولقد اهتم الإسلام بتعليم وتعلم كل ما يتم به عمارة الكون وبناؤه ، فحث الإسلام أتباعه  على الضرب في الأرض والسعي في مناكبها ، والتنقيب عن موارد الرزق في البر والبحر ، مع الحث الواضح على العمل ، ففي الحديث عَنِ المقدام (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: « مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ » [رواه البخاري] ، فالإسلام هو دعوة صريحة للعمل الذي يتحقق به التعمير والبناء فيعود بالخير على الدنيا كلها.

هذا : ولقد نظر الإسلام إلى العمل الجاد نظرة توقير وتمجيد ، فرفع قدر العمل وقيمته وجعله سبيلاً للرقي والتقدم ، وجعله عبادةً يثاب عليها فاعلها ، فقد حث القرآن الكريم من خلال آياته على السعي على المعاش والعمل ، وجاء الأمرُ بالانتشار في الأرض طلبًا للرزق الحلال بعد الأمر بالصلاة ، يقول تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة :10]، وكان سيدنا عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

ولأهمية العمل من أجل البناء والتعمير وردت في القرآن الكريم نصوص كثيرة تحدثت عن العمل ، وكذلك السنة النبوية المطهرة زاخرةٌ أيضا بنصوص تحث على الجدِّ والاجتهاد والحثِّ على العمل والبناء ، و ترك الخمول والكسل، وتبين أن العمل سبيل لحفظ ماء الوجه والرفعة والعزة والكرامة الإنسانية ، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» [رواه البخاري]، وكان سفيانُ الثوريّ (رحمه الله) يمُرُّ ببعض الناس وهم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام، فيقول: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: فما نصنَع؟! قال: اطلُبوا من فضلِ الله ، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.

ولقد بين الإسلام الحنيف أن من يسعى على كسب معاشه ورزق أولاده من حلال فهو في درجة الشهيد أو المرابط في سبيل الله ، فَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَفِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ » [رواه الطبراني].

ولم يكتف الإسلام بمجرد دعوة أصحابه إلى العمل كسبيل للبناء وإعمار الكون فحسب ، بل دعاهم – أيضًا- لإتقان العمل وإحسانه ، رجاء محبة الله تعالى ورحمته ، فعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ اللهَ (عز وجل) يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [رواه الطبراني].

إن إتقان العمل والاهتمام به والمحافظة عليه من أهم القيم والمبادئ التي دعا إليها الإسلام، وهو هدف من أهداف الدين ، يسمو به المسلم ويرقى به إلى مرضاة الله تعالى والإخلاص له، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، وإخلاص العمل لا يكون إلا بإتقانه، فلقد خلق الله عز وجل كل شيء بإتقان مُعجز ، يقول تعالى:{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل: 88]، وحثه على الإحسان والإجادة ، ونهاه عن الإفساد ، فقال تعالى: {…وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[البقرة: 195]، وقال: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 77].

ولقد دعا القرآن الكريم في كثير من آياته إلى إتقان العمل والإخلاص في أدائه طلبًا لمرضاة الله تعالى ، ونصحًا لعباده ، وخدمة وتعاونًا بين أفراد المجتمع ، ووعد على ذلك الثوابَ العظيمَ والثناء الحسن في الدنيا والآخرة ، وبيَّن أن الإنسان وهو يزاول عملًا ما  يكون تحت رقابة الله ، العليم بمكنونات الصدور وخفايا القلوب ، وأنه لا يغيب عنه مثاقيل الذر من أعمال العباد ، فهو سبحانه يسطرها لهم ويسجلها عليهم ويجازيهم بها يوم يلقونه، قال تعالى:{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[يونس:61]، فالله عز وجل هو الذي يرى الإنسان ويراقبه في عمله , يراه في مصنعه وفي مزرعته وفي متجره وفي أي مجال من مجالات سعيه وعمله , يقول تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة: 105]. فالأمر هنا كما قال المفسرون: فيه تخويف وتهديد : أي إن عملكم لا يخفى على الله ، ولا على رسوله ، ولا على المؤمنين ، فسارعوا إلى أعمال الخير ، وأخلصوا أعمالكم لله عزّ وجلّ ، وفيه أيضاً ترغيب وتنشيط ، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء أكان خيرًا أم شرًّا رغب إلى أعمال الخير ، وتجنب أعمال الشرّ ، وما أحسن قول زهير :

ومهما تكن عند امرىء من خليقة      **     وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وكذلك جاءت السنة النبوية المطهرة بالدعوة إلى إتقان العمل والبناء من أجل الوصول إلى الأفضل والأحسن والأتقن ، ففي الجانب التعبدي كالصلاة التي هي صلة بين العبد وربه ، يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، وفي قراءة القرآن : يقرؤه الماهر به الذي بشره الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأنه مع السفرة الكرام البررة ، ويأمر من يلي أمر الميت بقوله: « إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» (رواه مسلم). وعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي كُلَيْبٍ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ أَبِيهِ جَنَازَةً شَهِدَهَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ وَأَفْهَمُ ، فَانْتَهَى بِالْجَنَازَةِ إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُمْكِن لَهَا ، قَالَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: « سَوُّوا لَحْدَ هَذَا » حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ: « أَمَا إِنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلَا يَضُرُّهُ ، وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِنَ » [رواه البيهقي].

فكل عمل يعمله الإنسان لابد وأن يكون حسنًا متقنًا ، وأن يراعي الله تعالى فيه ، فهو سبحانه وتعالى وحده المطلع على قلوب العباد ويحصي عليهم أعمالهم عظمت أم صغرت ، كثرت أم قلت.

أما الذي لا يتقن عمله ولا يراقب الله تعالى فيه فإنه آثم بقدر ما يتسبب فيه من ضياع الأموال وإهدار الطاقات ، فهذا الموظف الذي يقصر ويهمل ولا يتقن عمله ويرضى لنفسه أن يتقاضى أجرًا حرامًا يخاصمه فيه الشعب كله يوم القيامة ، ومن كانت هذه صفاتهم فإنهم يتحملون وزر تأخر الأمة وتخلف البلاد ، نشكوهم إلى الله تعالى ، يقول عمر (رضي الله عنه): ” إلى الله أشكو ضَعْفَ الأمين وخيانة القوي”.

ولقد حارب الإسلام كل مظاهر اليأس والكسل التي لا تساعد على البناء والتعمير ، واعتبر الكسل صفة ذميمة ، فقد ذمّ الله عزّ وجلّ الكسالى في كتابه المجيد وبين أنه من صفات المنافقين فقال :{وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى}[التوبة: 54] ، فالكسل سلبية خطيرة وآفة مهلكة تفسد الأمم والشعوب وتؤدي إلى تخلفها عن ركب الحضارات المتقدمة ، وهو داء وبيل إذا تمكن من الإنسان كاد أن يفقده إنسانيته ، قال الإمام الراغب: ” من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية ، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى” [الذريعة إلى مكارم الشريعة] ؛ لذلك استعاذ النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الكسل والتراخي ، فعن أنس بن مالك (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ » [رواه مسلم] ، وقد قرن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في استعاذته بين الكسل والعجز لأنهما قرينان فكل منهما يؤدي إلى التثاقل عن إنجاز المهمات المطلوبة من الشخص إنجازها.

فالكسل آفة قلبية وعائق نفسي يوهن الهمة ، ويضعف الإرادة ، ويقود إلى الفتور ، وهو جرثومة قاتلة ، وداء مهلك ، يعوق نهضة الأمم والشعوب ، ويمنع الأفراد من العمل الجاد والسعي النافع. وإنما عاب الإسلام الكسل وحذر منه ؛ لأن فيه تغافلا عما لا ينبغي التغافل عنه ، ولأنه يجر إلى الفتور في الأفعال مع الشعور بالسآمة أو الكراهية والعياذ بالله ، ويجعل الإنسان يكره الخير لضعف همته وقلة عزيمته ، ويجعله يفرط في الواجبات ، وهو آفة النجاح ، يفتك بكل من يصيبه ، فيجعل صاحبه إنسانًا متواكلاً عالةً على الناس عاجزًا عن تحمل مسؤولياته كإنسان ، فيمتد خطره إلى أفراد المجتمع، يقول الإمام علي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): ” التواني مفتاح البؤس ، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة، ونتجت الهلكة ، ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد ” ، فالتكاسل ليس من هدي الإسلام ولا قيمه لأن الإسلام يسعى للخير وعمارة الكون ، أما الكسالى فإنهم لا يبنون حضارة ، بل يساعدون على هدم كل الحضارات.

ومن الأمور التي حاربها الإسلام لأنها لا تؤدي إلى البناء وإعمار الكون الإفساد في الأرض والسعي في خرابها ، فالفساد في الأرض هو خلق اللئام من البشر ، لا يتخلق به إلا المنافقون الذين قال الله فيهم:{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ}[المائدة: 64]، ويقول سبحانه: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[البقرة:60].

وللفساد صور متعددة ، أخطرها ما كان باسم الدين ، فقد ابتليت الأمة بأناس يفسدون        في الأرض باسم الدين والدين منهم براء ، فيقتلون ويستبيحون الأعراض والأموال باسم الدين ، وهؤلاء ذمهم الله (عز وجل) في كتابه ، فقال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}[البقرة: 204 :206] .

إن الفسادَ بكل صوره وأنواعه يُزعزِعُ قيم البناء والتنمية ، وينشُر السلبيَّة وعدمَ الشعور بالمسؤولية، ولابد من التصدي للفساد والمفسدين ، فالتصدي له فيه نجاة للمجتمع كله ، وإهماله وعدم التصدي له فيه الهلكة للمجتمع كله ، فعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) أن رسول الله  (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كان يقول: « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا » [رواه البخاري] ، فلابد من التآزر والتعاون والتناصر والتضامن بين المسلمين وتحقيق الإيمان والأخوة الإسلامية.

   إن تطهير الأرض من المفسدين ، وتأمين الطرق والمنشآت وحمايتها من أعظم أعمال الخير  وأجل أنواع البر ، فالله (عز وجل) يدفع بالمصلحين فساد المفسدين ، قال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}[هود: 116]. فإن المفسد مِعول هدم للمجتمع، ولا نجاة للعباد إلا بمنعه من الفساد.

والأمة الإسلامية – بفضل الله تعالى- تملك الكثير من خيرات الله ، ففيها الأرض الخصبة وفيها البحار والبحيرات والأنهار العظام ، وفيها معظم المعادن التي يحتاجها العالم المعاصر ، وتملك أكبر مخزون في العالم من النفط ، إضافة إلى ما تملك من ثروات هائلة من العقول المفكرة والأيدي العاملة ؛ لذلك وجب عليها أن تستثمر ممتلكاتها وثرواتها أحسن استثمار ، وأن تستثمر أوقاتها في الخير ومنفعة الناس ، وفي سبيل النهوض الحضاري والتقدم العلمي.

فأمتنا أمة عمل لا أمة كسل ، أمة بناء لا أمة هدم أو تخريب ، أمة حضارة ، ولم يكن التخلف أبدًا سمة من سماتها ، فحري بكل مسلم يحب دينه ويعتز به أن يعمل من أجل رفعة دينه وعزة وطنه.